دكتور التجاني الطيب عبد الماجد يكتب.. السفير محيي الدين سالم شطة حين تتجلى هيبة الدولة في رجل

هناك رجال لا تصنعهم المناصب، وإنما تصنعهم المواقف. رجال إذا ضاقت الساحات اتسعت بهم الأوطان، وإذا اختلطت الأصوات علت كلمتهم بما تحمل من صدق الحجة، ورجاحة العقل، ونبل المقصد. ومن هؤلاء، في تقديري، السفير محيي الدين سالم شطة، الذي قدم أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف نموذجاً للدبلوماسي الذي يدرك أن تمثيل وطنه ليس وظيفة تؤدى، وإنما رسالة تُحمل، وأمانة تُصان، وتاريخ يُكتب.
في تلك الجلسة، لم يكن الرجل يقرأ بياناً معداً سلفاً، بل كان يقود مرافعة وطنية اتسمت بالتماسك والاتزان. عرض موقف السودان بوضوح، وربط الوقائع بسياقها، وقدم ما يراه الحقيقة السودانية بلغة لم تعرف التردد، ولا استسلمت للانفعال، ولا جانبت مقتضيات العمل الدبلوماسي. كان حديثه موزوناً بميزان الخبرة، ومحكماً بإحكام العارف بخفايا السياسة الدولية، حتى بدا وكأن السودان قد وجد في تلك اللحظة لساناً يترجم موقفه بوعي واقتدار.
ولعل أجمل ما في المشهد أن المتحدث لم يكن غريباً عن القضية التي تناولها. فقد كانت مدينة الأبيض، بتاريخها وإنسانها، حاضرة في قلب المرافعة، كما كانت حاضرة في وجدان الرجل. والأبيض ليست مدينة عادية في الجغرافيا السودانية، وإنما عنوان للشموخ، وسفر مفتوح في تاريخ المقاومة والصمود، وقلعة ظلت، عبر تعاقب الأزمنة، عصية على الانكسار، وأعيت كل من ظن أن إرادة أهلها يمكن أن تُكسر أو أن كرامتها يمكن أن تُغتصب.
من تلك المدينة خرج السفير محيي الدين سالم شطة، حاملاً معها قيمها، ومتوشحاً بصلابة رجالها، ومؤمناً بأن الانتماء ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُترجم في المواقف. ولذلك، حين تحدث عنها، لم يكن يصف مدينة، وإنما كان يستحضر تاريخاً، ويستنهض ذاكرة وطن، ويمنح كلماته حرارة لا يهبها إلا صدق الانتماء.
لقد أمضى الرجل ما يقارب أربعة عقود في دهاليز الدبلوماسية، متنقلاً بين العواصم، وممثلاً للسودان في محطات مختلفة، حتى أصبحت الدبلوماسية عنده مدرسة متكاملة، لا تقوم على البلاغة اللفظية وحدها، وإنما على فقه العلاقات الدولية، وفهم طبيعة المؤسسات الأممية، والقدرة على مخاطبة العالم بمنطق يفهمه ويحترمه.
وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فالسنوات لا تُقاس بعددها، وإنما بما تتركه من أثر في الشخصية. وتجربة السفير محيي الدين سالم شطة، في تقديري، أنضجت فيه صفات الدبلوماسي الهادئ الذي لا يستعجل الانتصار، ولا يلهث وراء التصفيق، بل يثق بأن الكلمة المحكمة، متى استندت إلى المعرفة والثقة، تجد طريقها إلى العقول قبل أن تبلغ الآذان.
ولم يكن مستغرباً، والحال كذلك، أن تستوقف مرافعته كثيراً من الحاضرين، وأن تفرض احترامها بما حملته من تماسك في البناء، وقوة في الاستدلال، ورصانة في العرض. فالدبلوماسية ليست فن الكلام فحسب، وإنما فن الإقناع، وإدارة الصورة، وحسن تمثيل الدولة في أكثر المحافل حساسية وتعقيداً.
إن السودان، وهو يواجه تحديات جساماً على المستويين الداخلي والخارجي، أحوج ما يكون إلى رجال يملكون هذا القدر من التوازن، والخبرة، والقدرة على إدارة الخطاب الوطني أمام المجتمع الدولي. فالأمم لا تدافع عن مصالحها بالعاطفة وحدها، وإنما بعقول راجحة، وكفاءات متخصصة، وخبرات تراكمت عبر السنين.
ولعل الرسالة الأهم التي حملها ذلك المشهد هي أن الدبلوماسية السودانية، متى ما أُتيحت لها الكفاءات، قادرة على أن تقدم خطاباً يليق بتاريخ السودان ومكانته. وأن الدولة، مهما اشتدت عليها المحن، تبقى قوية برجالها، وبأولئك الذين يحملون اسمها إلى العالم بعزة، ويذودون عن صورتها بعلم، ويصوغون مواقفها بلغة تعرف كيف تجمع بين الصلابة والحكمة.
سيظل ذلك الحضور، في تقديري، واحداً من المشاهد التي تستحق التوقف عندها، ليس لأنه ارتبط بجلسة دولية فحسب، بل لأنه قدم درساً بليغاً في أن الدبلوماسية الحقّة لا تصنع الضجيج، وإنما تصنع الأثر؛ وأن الرجال الذين يحملون أوطانهم في قلوبهم، ويجمعون بين عمق المعرفة وسمو الانتماء، هم الذين يكتبون الصفحات المضيئة في تاريخ الأمم


