عبد اللطيف السيدح يكتب : عندما تصبح المراجعة شجاعة، لقد آن آوان إعادة سامي الرشيد إلى موقعه

ليس كل قرار إداري مقدس، وليست الحكمة في الإصرار عليه، إنما الحكمة الحقيقية أن يمتلك المسؤول شجاعة المراجعة متى ما ثبت أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، لاسيما إذا كان الشخص المعني بالقرار هو رمانة الميزان في منظومة العمل، والتراجع عن قرار لم يحقق غايته ليس هزيمة، إنما انتصار للعقل، وانحياز للدولة، وإنصاف للمواطن.
ومن هنا فإنني أوجه حديثي بكل التقدير، والاحترام، وإلإجلال إلى معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف الأستاذ بشير هارون عبد الكريم، وإلى السادة مستشاريه، داعيا إياهم إلى وقفة تأمل صادقة في ما آل إليه حال المجلس الأعلى للحج والعمرة منذ مغادرة الأستاذ سامي الرشيد أحمد موقعه العام الماضي أمينا عاما.
ولو أُعيد شريط الأحداث بهدوء، بعيدا عن ضجيج المواقف والانفعالات، لوجدنا أن حالة عدم الاستقرار بدأت تتسلل إلى المجلس منذ نهاية موسم حج 1446هـ، ومع مغادرة الرشيد إلى موقعه، ثم تعاظمت خلال فترة الاستعداد لموسم حج 1447هـ، حتى أصبحت الأخطاء تتناسل من بعضها، وأصبحت الأزمات تنجب أزمات أكبر، وفقد الملف البوصلة التي كانت تضبط إيقاعه، وانتهى الموسم بختام لا يسر عدوا ولا صديقا.
لقد أعقب الأستاذ سامي أمينان عامان، ولكل منهما اجتهاده، لكن الواقع الذي رآه الناس لم يحقق الاستقرار المنشود، فالأمين الأول واجه تحديات الخبرة في ملف شديد التعقيد، والثاني الذي جاء مكلفا دخل الميدان بثقة كبيرة في قدرته على إنقاذ السفينة، غير أن الوقائع كشفت أن إدارة الحج ليست ميدانا للشعارات، وفرد العضلات، لكنها مدرسة لا يتخرج فيها إلا من خبر تفاصيلها عاما بعد عام.
ولا يخفى على كثير من المتابعين أن قرار إعفاء الأستاذ سامي جاء في أجواء كانت مشحونة بالاستقطابات والوشايات والقراءات المتباينة للأحداث في بورتسودان، وقد غادر الرجل موقعه وسلم الأمانة التي أوكلت إليه بكل هدوء واحترام ومن غير مشاغبات وبدون جلبة، وشوشرة، وضوضاء، وعاد معززا مكرما تحفه دعوات الحجيج ومنسوبو ومنسوبات مكتب حجاج السودان بالمملكة العربية السعودية، وموظفو المجلس الأعلى للحج والعمرة إلى دياره ونشاطه التجاري ومشىروعاته فالرجل من فصيلة العين المليانة.
إن كثيرا من المهتمين بأمر هذا الملف يرون أن ملابسات غريبة أحاطت بإعفاء الرجل، وكان نتاج ذلك إعفاء لم تثبت الأيام أنه حقق النتائج المرجوة، واليوم وبعد أن تكشفت الوقائع، فإن من حق الجميع أن يتساءل، ألم يحن الوقت لإعادة تقييم ذلك القرار؟
إن ملف الحج والعمرة ملف صغير لكنه دائما يهزم الكبار كما يقول زميلنا العزيز ياسر أبشر. والحج كما يعلم الجميع ليس إدارة مكتبية، ولا وظيفة روتينية، وإنما منظومة متشابكة من العلاقات والخبرات والتوقيتات الدقيقة، لا تحتمل التجريب ولا المجاملات ولا أنصاف الحلول. ومن يظن أن سنوات الخبرة يمكن تعويضها بين ليلة وضحاها، فإنه يغامر بملف يمس أحد أعظم شعائر الإسلام.
ولو كنت مكان الوزير، وأنا على يقين بما عرف عنه من رجاحة عقل وصفاء سريرة وحرص على المصلحة العامة، لاستقبلت من أمري ما استدبرت، ولطويت صفحة الماضي، وجددت الثقة في الأستاذ سامي الرشيد أحمد، لا انتصارا لشخصه، وإنما انتصارا للمؤسسة، وللحاج السوداني، وللدولة التي تحتاج إلى الكفاءات المجربة.
لقد عركت السنوات الأستاذ سامي في العمل التنفيذي للحج، حتى أصبح يعرف دهاليز هذا الملف كما يعرف المرء طريق بيته، وقد بنى الرجل خلال سنواته الممتدة داخل الوزارة أو رئيسا لبعثة حجاج إقليم النيل الأزرق شبكة واسعة من العلاقات، واكتسب خبرة تراكمية، وأدار عمله بكل حرفية، ومهنية، وشفافية، وظل حاضرا بهدوئه، واتزانه، وعفة لسانه، واحترامه للكل ، وهي صفات لا تقل أهمية عن الخبرة الفنية في إدارة هذا الملف الحساس.
إن الناس لا يبحثون اليوم عن انتصار هذا الطرف أو ذاك، وإنما يبحثون عن موسم حج ناجح، وعن بعثة مستقرة، وعن إدارة تستعيد ثقة الحجاج، وتعيد إلى حج السودان ما عرف به من تنظيم وطمأنينة وسمعة طيبة.
فإن رأى الوزير أن المصلحة العامة تقتضي مراجعة ما مضى، فلن يكون ذلك تراجعا، بل سيكون قرارا يحسب له قبل أن يحسب عليه، لأن الدولة القوية هي التي تعترف بالتجربة، وتستفيد من دروسها، وتقدم مصلحة الوطن على كل اعتبار، ولعل أجمل ما يمكن أن يُكتب في سجل هذه المرحلة، أن ينتصر صوت الحكمة على ضجيج الخلاف، وأن تعود الكفاءة إلى موقعها الطبيعي، ليعود لحجاج السودان ألقهم، وراحتهم، وأمنهم، وتيسير أمورهم، وثناء دولة الحج على من شرفه الله بخدمتهم.


