ريحة البلد السودان أكبر من الحرب وأكبر من أي طرف بقلم : د/سارة عبد العزيز الزبير

بعيدا عن الاصطفافات
وبعيدا عن الشعارات وبعيدا عن ترديد العبارات التي اعتدنا سماعها
دعونا نتحدث بصدق مع أنفسنا فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج
السودان يحتاج إلى مواجهة شجاعة مع الحقيقة
في تقديري ومن خلال ما نراه يوميا في الميدان المدني
وفي وسائل الإعلام
وفي معاناة الناس داخل السودان وخارجه فإن ما يحدث ليس مجرد أزمة طرف أو جماعة بعينها
إن الحرب وأي قوة نشأت في سياقها
ليست سوى عرض لمشكلة أعمق بكثير
أما المرض الحقيقي فهو الأزمة الوطنية التي ظل السودان يحملها لعقود دون أن يواجهها بصدق
علينا أن نسأل أنفسنا لماذا وصل السودان إلى هذه المرحلة؟ ولماذا أصبح المواطن السوداني هو أول من يدفع الثمن وآخر من يسأل عن رأيه؟
المؤلم أن المواطن السوداني تحول إلى وسيلة تتنافس عليها المصالح والأجندات
الجميع يتحدث باسمه
لكن القليل فقط يسمع صوته الجميع يرفع شعار الشعب
بينما الشعب نفسه يبحث فقط عن حياة كريمة.
المواطن السوداني لا يطلب المستحيل
يريد الأمن، والتعليم، والعلاج، وفرصة عمل، ورغيفا كريما، ومستقبلا لأبنائه
يريد أن يعيش في وطنه بكرامة، دون خوف، ودون نزوح، ودون انتظار للمجهول
لا يعنيه كثيرا اسم الجالس على الكرسي بقدر ما يعنيه أن تقوم الدولة بواجبها تجاهه.
لقد أثقلت الحرب أرواح السودانيين. ملايين شردوا، وأسر تفرقت، وأطفال حرموا من مدارسهم
ومرضى فقدوا علاجهم، وشباب فقدوا أحلامهم
حتى الذين لجأوا إلى دول أخرى
رأوا بأعينهم كيف تبنى الأوطان عندما يكون الإنسان هو الأولوية فعرفوا أكثر حجم ما فقدوه
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الوطن
انما تمتد إلى السودانيين في الخارج، الذين يواجه كثير منهم صعوبات في الحصول على الخدمات تعز من كرامة الإنسان السوداني
ويشعرون أحيانا بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة أزماتهم بينما كان الواجب أن تكون مؤسسات الدولة سندا لهم لا عبئا إضافيا عليهم.
إن أخطر ما نعيشه اليوم هو أن ينشغل المسؤولون بصراعات النفوذ
والمناصب، والخلافات، بينما يزداد وجع الناس كل يوم.
لا قيمة لأي منصب إذا كان المواطن ينام زليل النفس
ولا معنى لأي انتصار إذا كان الوطن ينزف وأهله يتشردون
التاريخ لا يرحم، ودعوات المظلومين لا تضيع، والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. وهذه ليست كلمات تقال للعاطفة
هي حقيقة تؤكدها السنن قبل الوقائع.
إن السودان لن ينهض إذا ظل المواطن آخر الأولويات. ولن تنتهي الأزمات ما دام الإنسان السوداني يستدعى فقط عند الحاجة إليه، ثم ينسى عندما يطالب بحقه في الحياة الكريمة.
رسالتي إلى كل صاحب قرار، وإلى كل صاحب نفوذ، وإلى كل من يتحدث باسم السودان اتقوا الله في هذا الشعب.
ضعوا الإنسان قبل السياسة، والوطن قبل المصالح، والضمير قبل المكاسب
فالسودان لا يحتاج إلى خطابات جديدة بل يحتاج إلى عدالة، وإدارة راشدة، ورحمة بالناس.
الشعب السوداني ليس بخير. هذه حقيقة يجب أن تقال دون تجميل.
والاعتراف بالحقيقة هو الخطوة الأولى نحو الخلاص. أما تجاهلها، فلن يصنع إلا مزيدا من الألم ومزيدا من الخسائر، ومزيدا من وطن يستحق أفضل مما يعيشه اليوم.


