مقالات الرأي

كيفما د. غالب محمد طه يكتب يا رئيس الوزراء… الناس أولًا

 

في حوار نشرته صحيفة «الشروق» المصرية ، قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إن «معاش الناس وأمنها أولويتنا». جملة بسيطة، لكنها ربما تكون أهم ما قيل في الحوار كله.

فالمواطن السوداني الذي يسمعها اليوم لديه أسئلة تبدأ من حياته اليومية: كم أصبح سعر الخبز؟ ماذا حدث للماء والكهرباء؟ كيف يستطيع الموظف الذهاب إلى عمله مع ارتفاع تكلفة المواصلات؟ وماذا يفعل راتب لم يعد يكفي احتياجات الشهر؟ وكيف أصبح سعر الدولار، وإلى أين تمضي الأسعار معه؟

ثم هناك سؤال أكبر لمن يفكر في العودة: هل يجد حياته التي تركها، أم يجد بيتًا فقط؟

رئيس الوزراء تحدث بوضوح عن حجم الخراب. قال إن البنية التحتية دُمرت أو سُرقت، وإن 2500 كيلومتر من الكوابل تعرضت للنهب، وإن أكثر من 75 ألف محول كهربائي سُرقت من ولاية الخرطوم، وإن الدولة بدأت إعادة تأسيس قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق من الصفر.

هذه أرقام ثقيلة، لكن المواطن لا يعيش داخل الأرقام. هو يعيش في بيت يحتاج إلى ماء، ومحل يحتاج إلى كهرباء، وطفل يحتاج إلى مدرسة، وأسرة تدخل السوق وهي تعرف أن ما كان يكفيها قبل أشهر لم يعد يكفيها اليوم.

عودة الحكومة إلى الخرطوم خطوة ضرورية، لكنها ليست القصة كلها. القصة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الناس أن حياتهم تتحرك من جديد.

وهنا تقع المسؤولية الأساسية على مجلس الوزراء وقطاعاته المختلفة. وزارة المالية معنية بالاقتصاد والأسعار وسعر الصرف، وقطاعات الكهرباء والمياه والنقل والتعليم والصحة والتجارة والعمل أمامها ملفات لا تحتمل التأجيل.

المواطن يريد أن يعرف متى تستقر الكهرباء في حيه، ومتى يصبح الماء متاحًا، ومتى يستطيع شراء حاجاته دون أن يتغير السعر كل يوم. وارتفاع الدولار لم يعد خبرًا يخص التجار وحدهم؛ أثره يصل إلى السوق وإلى مائدة الأسرة مباشرة. وحتى الجبايات والرسوم تحتاج إلى ضبط واضح، خصوصًا بعد حديث رئيس الوزراء عن وجود تجاوزات غير قانونية.

الحرب كشفت هشاشة البنى، وضعف الرقابة، وتعدد مراكز الجباية، وسهولة نهب بعض الممتلكات. وإعادة البناء فرصة لتصحيح ذلك. إذا أعدنا الكهرباء، فلنبحث عن مصادر أكثر تنوعًا وأقل هشاشة. وإذا أعدنا الأسواق والمؤسسات، فعلينا أن نبني معها رقابة أفضل، وأن نحفظ الوثائق والخبرات حتى لا تبدأ الدولة كل مرة من جديد.

وحديث رئيس الوزراء عن إعادة تخطيط الدولة، وعن إنشاء مدينة إدارية بمواصفات حديثة، حديث إيجابي ويستحق النظر إليه. لكن المواطن يحتاج في الوقت نفسه إلى حديث يصل إليه هو. حديث عن الماء والكهرباء والأسعار والمرتبات والخدمات التي يلمسها كل يوم. فالثقة تبدأ عندما يسمع المواطن حديثًا عن حياته، ثم يرى شيئًا منه يتحقق أمامه.

وقبل المدينة الإدارية، نحتاج إلى مدن تشعر بأنها لا تبحث وتلهث خلف الخدمات. مدن يصلها الماء والكهرباء، وتعمل فيها المدارس والمستشفيات والأسواق، ويستطيع أهلها أن يعيشوا بقدر من الاستقرار والكرامة.

جميل أن يحدّث رئيس الوزراء العالم عن نهاية الحرب وبداية البناء، فهذا يفتح بابًا جديدًا للسودان في الخارج. لكن المواطن في الداخل يحتاج أيضًا إلى أن يسمع حديثًا يصل إليه مباشرة؛ حديثًا عن يومه، وعن حياته، وما ينتظره من الدولة في هذه المرحلة الصعبة.

يا رئيس الوزراء، الناس أولًا. هذا ما سيجعل حديث الحكومة أقرب إلى المواطن، وما يمكن أن يعيد شيئًا من الثقة التي تحتاجها البلاد اليوم.

فالعودة إلى الخرطوم مهمة، وإعادة بناء الدولة ضرورة، لكن المواطن يريد أن يرى أثر هذه العودة في حياته.

وبالله التوفيق

زر الذهاب إلى الأعلى