الأخبار

عوض عبدالرحمن محمد يكتب على أجنحة الهدهد.. إلى أرض النيلين

 

ألملم اليوم حقائب الغياب، وفي الصدر زفرةٌ مخنوقة تتنازعها غصّة الفراق ولهفة الوصل. سنتان ونصف مرت كعمرٍ كامل، كانت فيها أرض “الكنانة” أختَ الشدائد قد فتحت ذراعيها حين ضاقت الملاذات، وكانت مرفأ أمانٍ تضمّد فيه الفؤاد، ونمت على أرضها أواصرُ وذكريات جعلت من الفراق اليوم اقتطاعاً حاداً من الروح. نودّعها بوفاء الكبار، وبدمعةٍ لا تنكر الفضل لمن أكرَموا الغريب حتى نسِي غُربته.

ثم أقفُ أمام “سودانير”.. الناقل الوطني،

لا كمركبٍ من حديد، بل كأول شبرٍ من الوطن أطأه بقدمي في أعالي السحاب!

على أعتاب طائرتنا السمراء، يبدأ العناق قبل الأوان.. في صوت المضيفة وهو يلقي تحية البيت، وفي الملامح السودانية السمحة التي تحمل رائحة التراب وطيبة الأهل. أمتطي أجنحتها وكأنني أركب صهوة الشوق، لتقطع بي سماء الغربة، وتختصر سنوات النزوح القسري في لحظات خطف.

أيتها “الخرطوم”.. يا مجرى العزّ ومُلتقى النيلين، هأنذا أعود!يسبقني الشوق قبل العينين ، وتعدو روحي قبل خطاي ،،،، أعود لأتأكد أن الوجوه التي أكلها الغياب ما زالت تحفظ ملامحنا، وأن النيل ما زال يروي حكايات الصبر،،، نعود رغم انف أولئك الذين احتسوا خمرة الإحباط حتى ثملوا، وأخذوا ينسجون حول الخرطوم لوحاتٍ قاتمة، ويبثون السموم كي يثنوا الأقدام عن العودة! أقول لهم إن الأوطان لا تُقاس بالأنقاض، ولا تُهجر في محنتها ،،، فالوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو العِرْق والدار والأرض التي إن أجدبت كنا لها مطراً، وإن جُرحت كنا لها بلسمًا ،،،،

عد بي الي النيل لا تسل عن التعب ،،،،،

قلبي يحن حنين الانمق النجب ،،،،

من كان يحمل مثلي هم موطنه ،،،،

يأبي الغياب ولو في الأنجم الشهب ،،،،،

عودةٌ ملطخةٌ بلوعة فراق أحبةٍ سكنوا الوجدان هنا في ارض الكنانة، ومغمورةٌ بزلزال من الفرح للُقيا أحبةٍ انتظرونا هناك.. نتركُ بعضاً من أرواحنا امتنانًا للمكان الذي احتوانا، لنستردَّ كلّيتنا في الأرض التي شكّلتنا.

وغدا ًنعود

 

حتماً نعود

 

للقرية الغناء للكوخ الموشح بالورود

 

“`ويا ويح قلبي من غد“` .

 

ملحوظة: سنغادر فجر الغد الثاني عشر من سبتمبر علي متن المبروكة الطائرة السودانية.

 

دعواتكم .

عوض عبدالرحمن محمد خليفة

زر الذهاب إلى الأعلى