دكتور التجاني الطيب عبدالماجد .. يكتب إلى عمر الدقير.. كلمة ناصح لإنقاذ المؤتمر السوداني وإعادة بناء الثقة

الأستاذ عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، أكتب إليك هذه الكلمات لا من موقع الخصومة، ولا رغبة في النيل من حزبٍ كان، في لحظة من لحظات التحول السياسي في السودان، واحداً من القوى التي علّقت عليها قطاعات من السودانيين آمالاً عريضة، وإنما من موقع الناصح الذي يرى أن الصمت حين تكون المؤسسات السياسية في حاجة إلى المراجعة قد يكون أقسى من النقد، وأن محبة الوطن والأحزاب معاً تقتضي قول الحقيقة ولو كانت مُرّة.
لقد كان حزب المؤتمر السوداني، قبل أن تعصف بالساحة السياسية السودانية رياح الاستقطاب والانقسام، يُنظر إليه باعتباره أحد الأحزاب التي يمكن أن تسهم في صناعة مستقبل سياسي أكثر اتزاناً، لما امتلكه من حضور شبابي وخطاب مدني وتجربة تنظيمية جعلته رقماً لا يمكن تجاهله في المشهد السياسي. غير أن السنوات الأخيرة تركت على صورة الحزب ظلالاً كثيفة، وأدخلته في منطقة ملتبسة بين الموقف الرسمي للحزب وما رآه قطاع من الرأي العام في مواقف بعض المحسوبين عليه.
فقد ظل بعض الوجوه المحسوبة على الحزب حاضراً بكثافة في الفضائيات والمنابر الإعلامية، يكرر خطاباً سياسياً يدور في جانب كبير منه حول نقد النظام السابق والإسلاميين، في وقت كانت فيه البلاد تنزلق إلى حرب مدمرة، وتتحول الأولويات الوطنية من صراعات الماضي إلى سؤال وجودي يتعلق ببقاء الدولة ووحدة البلاد وسلامة المجتمع. وليس المقصود هنا مصادرة حق أي سياسي في التعبير عن موقفه أو منعه من النقد والمحاسبة السياسية، فذلك من صميم العمل الديمقراطي، ولكن السياسة الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرة السياسي على تكرار ما يؤمن به، وإنما بقدرته أيضاً على قراءة المتغيرات والاستماع إلى نبض الشارع وإدراك اللحظة التي يصبح فيها الخطاب القديم عاجزاً عن مخاطبة أسئلة الواقع الجديد.
وهنا، في تقديري، تقع مسؤولية كبيرة على عاتقكم يا أستاذ عمر؛ فالحزب يحتاج إلى مراجعة لا إلى مكابرة، وإلى ترميم لا إلى تجميل. والمراجعة لا تعني التنكر للماضي، ولا التخلي عن المبادئ التي تأسس عليها الحزب، وإنما تعني أن يسأل نفسه بشجاعة: أين أصبنا؟ وأين أخطأنا؟ ومتى أخطأنا في قراءة الشارع؟ وهل استطاع خطابنا السياسي أن يواكب التحولات العميقة التي شهدها السودان منذ ديسمبر وحتى اليوم؟ فالتجارب أثبتت أن الحزب السياسي لا يعيش بالقيادات وحدها، ولا بالظهور الإعلامي، ولا بكثرة التصريحات والحوارات، وإنما يعيش بالناس، وبالقواعد، وبقدرته على إنتاج الأفكار التي تجد طريقها إلى المجتمع.
ولذلك فإن المؤتمر السوداني، إن أراد استعادة مكانته، يحتاج إلى إعادة بناء جسوره مع المجتمع، والخروج من أسر المنابر الإعلامية إلى الشارع، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن الخطاب الذي يستحضر خصوم الأمس باستمرار إلى خطاب يخاطب مخاوف الناس وأسئلتهم الراهنة. فالسوداني الذي فقد منزله، أو نزح من مدينته، أو يبحث عن الأمن والخبز والدواء، لا تكفيه المعارك الكلامية حول الماضي؛ إنه يريد من الأحزاب أن تقدم له تصوراً للمستقبل. ومن هنا تبدأ استعادة الثقة.
كما أن الحزب في حاجة إلى ضخ دماء جديدة في شرايينه، وإفساح المجال أمام الشباب والكوادر التي نشأت في بيئة سياسية مختلفة وتمتلك القدرة على فهم المجتمع بلغة جديدة، بعيداً عن صراعات النخب وتنافس الوجوه. فالجيل الذي سيصنع مستقبل السودان لن ينتظر طويلاً أحزاباً تظل أسيرة خلافات الماضي، كما أن الحزب في حاجة إلى ضبط العلاقة بين الموقف الحزبي الرسمي والمواقف الفردية لأعضائه، حتى لا يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين ما يعبر عن رؤية الحزب وما يعبر عن اجتهاد شخصي لأحد أعضائه. وهذه ليست دعوة إلى إسكات الأصوات، وإنما إلى بناء مؤسسة سياسية قوية يكون لها موقف واضح، وخطاب متماسك، وآليات داخلية للمساءلة والتقويم.
إن كثرة الظهور الإعلامي كان يمكن أن تكون فرصة لتعريف الناس بمشروع الحزب ورؤيته للسودان الجديد، لكنها قد تتحول، إذا غاب الخطاب المتوازن، إلى عبء سياسي يختزل الحزب في وجوه بعينها ومواقف بعينها. والعبرة ليست في عدد المرات التي يظهر فيها السياسي على الشاشة، وإنما في عدد المرات التي يشعر فيها المواطن أن هذا السياسي يتحدث بلسانه ويحمل همومه ويدافع عن مصالحه.
يا أستاذ عمر، الأحزاب لا تموت دفعة واحدة؛ إنها تذبل ببطء حين تنقطع عن قواعدها، ثم تضعف حين يصبح خطابها بعيداً عن أسئلة المجتمع، ثم تفقد حضورها عندما يكتشف الناس أن قياداتها تتحدث إلى نفسها أكثر مما تتحدث إليهم. وهذه سنة السياسة في كل زمان ومكان. ولذلك فإن أمام المؤتمر السوداني فرصة للمراجعة قبل أن تتحول المراجعة إلى ضرورة، وأمام قيادته فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي قبل أن يصبح الترميم أكثر كلفة من الإصلاح.
والمطلوب ليس تغيير الاسم ولا التنصل من التاريخ، وإنما استعادة الروح؛ استعادة الحزب الذي ينصت قبل أن يتحدث، ويجمع قبل أن يفرق، ويطرح الحلول قبل أن يكتفي بتشخيص الأزمات، ويخاطب السودانيين جميعاً لا شريحة سياسية بعينها. ولعل أهم درس ينبغي أن تستوعبه الأحزاب السودانية من السنوات الماضية هو أن الشارع لا يمنح صكوكاً دائمة، وأن الشعبية السياسية ليست ميراثاً ينتقل من جيل إلى جيل، وإنما ثقة تُكتسب كل يوم ويمكن أن تُفقد في لحظة.
والتاريخ السياسي السوداني مليء بالأحزاب والشخصيات التي ملأت الدنيا ضجيجاً ثم غابت، كما أنه مليء بتجارب أثبتت أن الحزب الذي يمتلك قاعدة جماهيرية حقيقية يستطيع أن يتجاوز الأزمات مهما اشتدت، أما الحزب الذي يعتمد على الوجوه الإعلامية وحدها فإنه يصبح هشاً مهما بدا صوته عالياً. ومن هنا فإن نصيحتي للأستاذ عمر الدقير ليست أن يدافع عن الحزب بكل ما أوتي من قوة، بل أن يذهب إليه، إلى داخله، إلى قواعده، إلى شبابه، إلى كوادره الصامتة، وإلى الذين ابتعدوا عنه لأنهم لم يجدوا فيه ما كانوا يرجونه.
اذهبوا إلى الحزب قبل أن يبحث الحزب عنكم في ذاكرة التاريخ. افتحوا النوافذ للوجوه الجديدة، واستمعوا إلى النقد من داخل الصف قبل أن يأتيكم من خارجه، وشكّلوا لجاناً حقيقية للمراجعة والتقييم، وأعيدوا صياغة الخطاب السياسي على ضوء واقع السودان اليوم، لا على ضوء معارك الأمس، والأهم من ذلك كله: أعيدوا للحزب علاقته بالمجتمع.
فالسودان في حاجة إلى أحزاب قوية، وطنية، مدنية، ديمقراطية، تستند إلى قواعد جماهيرية حقيقية، وتستطيع أن تجمع ولا تزيد الانقسام، وأن تقدم مشروعاً وطنياً يتجاوز الأشخاص والأجيال. وإذا كان المؤتمر السوداني قد أخطأ في بعض محطات الطريق، فإن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة؛ بل هو أول درجات القوة. وإذا كان بعض أبنائه قد اتخذوا مواقف أثارت غضب قطاعات من السودانيين، فإن معالجة ذلك لا تكون بالإنكار ولا بالتبرير، وإنما بالاحتكام إلى المؤسسة، ومراجعة المواقف، ووضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية والشخصية.
فالحزب الذي يراجع نفسه لا يخسر هيبته؛ بل يكتسب احترام الناس، والقيادة التي تسمح بالنقد لا تضعف؛ بل تقوى، والسياسي الذي يعترف بخطئه لا يسقط من أعين الناس؛ بل قد يكون أقرب إليهم من السياسي الذي لا يرى في مواقفه إلا الصواب.
يا عمر الدقير، ربما تكون اللحظة الآن أنسب من أي وقت مضى لإعادة بناء المؤتمر السوداني على أسس جديدة، تجمع بين تجربته السابقة ومتطلبات المستقبل، وتعيد إليه الشباب، وتوسع قاعدته الاجتماعية، وتضع مشروعه الوطني في مقدمة خطابه. فالبلاد الخارجة من الحرب لن تكون في حاجة إلى أحزاب تقتات على ذاكرة الخصومة، وإنما إلى أحزاب تمتلك شجاعة المصالحة الوطنية، ووضوح الرؤية، ونظافة اليد، وصدق الانحياز إلى الدولة والمواطن.
ولعلها لحظة مناسبة لتذكّر حكمة سياسية قديمة: الأشجار الكبيرة لا تخشى تقليم أغصانها؛ لأنها تعرف أن التقليم الصحيح ليس موتاً، وإنما استعداد لموسم جديد. فليكن المؤتمر السوداني كذلك؛ لا حزباً يذوب تحت ثقل أخطائه، ولا حزباً يعيش على أمجاد مرحلة مضت، وإنما حزباً يراجع تجربته، ويصحح مساره، ويستعيد شبابه، ويبني قواعده، ويقدم للسودانيين مشروعاً يليق بوطن أنهكته الحرب وأثقلته الانقسامات.
إنقاذ الحزب اليوم ليس مسؤولية عمر الدقير وحده، ولكنه يبدأ من عنده. والتاريخ لا يذكر فقط من قاد الأحزاب في أوقات الرخاء؛ وإنما يذكر أيضاً من امتلك الشجاعة ليعيد بناءها عندما أوشكت على الانهيار.


