مقالات الرأي

راصد.. الطريق الذي تراقبه التقنية .. بقلم: إيمان وراق

 

كل مسافر يركب البص يحمل موعدا ينتظره، وبيتا سيعود إليه، وأشخاصا يعرفون أن رحلته بدأت لكنهم لا يعرفون تفاصيل الطريق الذي سيسلكه. وبين نقطة الانطلاق والوجهة، تبقى السلامة هي الأمنية الأولى.

ربما لهذا تبدو التقنية أكثر قيمة عندما تخرج من الشاشات والأجهزة لتصل إلى حياة الناس.

راصد هو برنامج للتتبع الجغرافي للبصات السفرية على الطرق القومية، يتيح متابعة حركة البص وموقعه ومساره أثناء الرحلة. ومن هنا تبدأ الفكرة: أن لا يكون البص مجرد مركبة تغادر المحطة وتختفي في الطريق حتى تصل، بل رحلة يمكن متابعة حركتها عبر التقنية.

في تجربة راصد، تم تركيب نحو 1300 جهاز في البصات السفرية، وأخضعت التجربة للتقييم خلال ثلاثة أشهر، لم يتم خلالها تسجيل حوادث مرورية للبصات المشمولة بالتجربة.

النتيجة تستحق التوقف، لكن الأهم من الرقم هو الفكرة التي تقف خلفه.

أن يكون الطريق تحت المتابعة يعني أن الرحلة لم تعد تبدأ وتنتهي عند بوابة المحطة، بل أصبحت هناك إمكانية لمتابعة حركة البص أثناء سيره، ومعرفة موقعه ومساره، والاستفادة من المعلومات التي توفرها التقنية بما يساعد في دعم السلامة والاستجابة عند الحاجة.

هذه هي النقلة التي تستحق النظر إليها.

فالتقنية هنا لا تحل محل السائق، ولا تلغي مسؤولية المركبة أو الطريق أو الوعي المروري، لكنها تضيف إلى منظومة السلامة وسيلة جديدة للمراقبة والمتابعة.

وفي الطرق القومية الطويلة، قد تكون المعلومة في وقتها ذات قيمة كبيرة.

معرفة موقع المركبة، متابعة مسارها، وتوفر صورة مستمرة عن حركة الرحلة، كلها أمور يمكن أن تساعد في اتخاذ القرار بصورة أسرع، بدلا من أن تبدأ المتابعة بعد وقوع المشكلة.

وراء كل ذلك يوجد الإنسان.

المسافر الذي يريد أن يصل، والأسرة التي تنتظر، والسائق الذي يحمل مسؤولية عشرات الأرواح، ومستخدم الطريق الذي يلتقي بهذه المركبات في مسافات طويلة.

لهذا فإن نجاح أي تقنية مرورية لا يقاس فقط بعدد الأجهزة التي تم تركيبها، وإنما بمدى قدرتها على تقديم أثر حقيقي في حياة الناس.

وتجربة راصد خلال الأشهر الثلاثة الأولى تفتح بابا لهذا المعنى.

فإذا تحولت المعلومات التي تجمعها الأجهزة إلى متابعة فاعلة، وإذا ساعدت في اكتشاف المخاطر مبكرا وتحسين الاستجابة لها، فإن التقنية تكون قد تجاوزت دورها كأداة إلكترونية وأصبحت جزءا من خدمة عامة تمس حياة المجتمع مباشرة.

لكن التجربة، في الوقت نفسه، تحتاج إلى تقييم مستمر. فعدم تسجيل حوادث خلال فترة التقييم مؤشر مهم، لكنه لا يعني أن التقنية وحدها تصنع السلامة أو أن الطريق أصبح خاليا من المخاطر.

السلامة منظومة كاملة، والتقنية أحد عناصرها.

والأهم أن تبقى الغاية واضحة: ليس أن نعرف أين يوجد البص فحسب، وإنما أن نستخدم هذه المعرفة في حماية من بداخله ومن حوله.

فالطريق الذي تراقبه التقنية لا يصبح آمنا بالتقنية وحدها، لكنه يصبح أكثر قدرة على أن يرى الخطر قبل أن يتحول إلى حادث.

ودمتم سالمين

زر الذهاب إلى الأعلى