تقارير

الجريمة المنظمة العابرة للقارات،شبكات تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

 

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن

أضحت الجريمة المنظمة العابرة للحدود،الشريان الخفي والرئيسي لتهديد الاستقرار العالمي والإقليمي،إذ لم تعد تلك الجريمة مجرد عصابات محلية تتنافس على النفوذ والقوة ومكامن السيطرة، بل تحولت إلى عصابات استثمارية عابرة للحدود تدار بعقلية الشركات متعددة الجنسيات.

وتُمثّل هذه الشبكات خطراً يهدد الأمن القومي الدولي والإقليمي والمحلي للدول، نظراً لاندماجها الوثيق مع منظومات تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.

إن الأموال غير المشروعة المحصلة من تجارة المخدرات، وسرقة الموارد، والاتجار بالبشر،تتحول عبر دورات غسيل معقدة وغاية في الخطورة،إلى رأس مال يستنزف السيادة الوطنية للدول، ويغذي التنظيمات المتطرفة بالسلاح والعتاد،مما يهدد جهاز تلك الدول فى مختلف المرافق ومناحي الحياة.

– الثالوث المظلم (الجريمة، تمويل الإرهاب، وغسيل الأموال):

وفقا لتحليلات في هذا الجانب الشديد الأهمية،يعتمد نمو واستمرار الجريمة المنظمة على تدوير الأموال عبر ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولي،وتسمي مرحلة الإيداع (Placement)،وهي تقوم علي إدخال الأموال النقدية القذرة إلى المنظومة المالية من خلال النظام المصرفي والبنكي.

فيما تعرف المرحلة الثانية بمرحلة التجميع والتغطية (Layering)،وفيها يتم فصل الأموال عن مصدرها غير المشروع عبر تحويلات معقدة لتمويه أصلها.

بينما تأتي المرحلة الثالثة عن طريق الدمج (Integration)،وهي مرحلة تعنى إعادة ضخ الأموال في الاقتصاد الشرعي كاستثمارات عقارية أو تجارية.

وفي غضون ذلك،تستفيد الجماعات الإرهابية من هذا المسار،حيث تلتقي مصالح الكارتيلات والشبكات الإرهابية في بيئة مشتركة تُسمى “اقتصاد الظل”.

* أبرز أنماط الجريمة المنظمة العابرة للقارات ومناطق انتشارها:

من الأنماط التى أصبحت معروفة فى هذا المجال،هو النمط المتعلق بإنتاج ونقل المواد المخدرة بمختلف أنواعها عبر الحدود الدولية،ويظهر هذا النمط بكثافة في (المكسيك،كولومبيا،بيرو،

أفغانستان،المثلث الذهبي،الهلال الخصيب).

أما النمط المرتبط بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وإحتجازهم وإستغلالهم ماليا بغرض التكسب والتربح،فإنه يتركز في(ليبيا،مالي،النيجر،

شرق أوروبا،جنوب شرق آسيا،ميانمار،كمبوديا).

هذا إضافة إلي إنتشار إستخدام النصب المالي والفدية الإلكترونية وسرقة البيانات،وشبكات القرصنة المغلقة،ومجمعات الاحتيال الرقمي،حيث يظهر ذلك في(شرق أوروبا ،روسيا،جنوب شرق آسيا).

النمط المتعلق بتزويد الجماعات والتنظيمات الإرهابية بالسلاح والعتاد والمال والأفراد،من تجارة السوق السوداء،فأنه يكون في(منطقة الساحل وصحراء أفريقيا،أجزاء من الشرق الأوسط،مناطق الهشاشه والفراغ الأمني والسلطوي).

– أدوات تمويل الإرهاب وتبييض الأموال الحديثة:

من أبرز تلك الأدوات، نظام “الحوالة” غير الرسمي،وهو نظام لتحويل الأموال يستند إلى شبكة من الوكلاء وتاريخ طويل من الثقة،دون تسجيل حركة النقود في النظام المصرفي التقليدي،مما يصعب تتبعه من الأجهزة الأمنية والإستخباراتية الرسمية.

فضلا عن إستخدام العملات الرقمية والمشفرة،كأداة لها خصوصية كبيرة بغرض تسهيل تحويل المبالغ بين الأطراف دون المرور بالبنوك المركزية.

أما فيما يتعلق بالشركات الوهمية والملاذات الضريبية (Offshore Entities)،فإن هناك

تأسيس لكيانات تجارية لا تمارس نشاطاً حقيقياً في دول ذات تشريعات مرنة،وذلك لتغطية ملكية الحسابات والتدفقات النقدية.

– كارتيلات المخدرات والبنوك العابرة للحدود:

شهدت التحقيقات الدولية في سنوات سابقة،حالات استغلت فيها كارتيلات المخدرات المكسيكية والكولومبية،ثغرات في مؤسسات مالية عالمية لتبييض مليارات الدولارات الناجمة عن تجارة السموم.

وقد تم غسل جزء من هذه الأموال عبر سداد حسابات تجارية وشراء استثمارات عقارية في مدن كبرى.

يأتي ذلك في الوقت الذي تُظهر فيه التقارير الصادرة عن منظمة FATF ومكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة (UNODC)،كيف تستغل الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي (مالي والنيجر)، طرق تهريب المهاجرين للتحصيل القسري للضرائب والجمارك غير القانونية، حيث تُستخدم تلك الأموال مباشرة لتغطية تكاليف التجنيد والتسلح.

وفي ظل تلك التحديات الأمنية الجسيمة،تتأخر الاستجابة القضائية والرسمية بين الدول، مقارنة بالسرعة التي تنقل بها هذه الشبكات أموالها عبر الإنترنت،وذلك بسبب ضعف الرقابة في الدول الهشة التي تشهد اضطرابات سياسية أو أمنية،وهي البيئة المثالية لعمل هذه الشبكات وتبييض أموالها.

متابعون لهذا الشأن،شددوا على أهمية تطوير قدرات الاستخبارات المالية (FIU)،وتفعيل دور فرقة العمل المالي (FATF) ومجموعة أجمونت لتبادل المعلومات المالية بمرونة أكبر بين الدول.

وذلك حتى تكون المواجهة متكاملة للحد من هذه الظاهرة الخطرة.

إن القضاء على الجريمة المنظمة العابرة للقارات وشبكات تمويل الإرهاب، يتطلب الانتقال من أسلوب الملاحقة التقليدي إلى “تجفيف المنابع المالية”.

إذ لا يمكن حماية الأمن القومي والدولي دون فرض رقابة صارمة على التدفقات المالية المشبوهة، وسد الثغرات التشريعية،وتفعيل الشراكة الاستخباراتية بين الدول.

زر الذهاب إلى الأعلى