موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم يكتب.. مجلس الأمن والسودان… توافق على وحدة الدولة وخلاف على طريق السلام

كيف يتفق مجلس الأمن على وحدة السودان، ويختلف على الطريق الذي ينهي حربه؟ هذا السؤال يلخص المفارقة التي كشفتها جلسة السادس عشر من أكتوبر الجاري، حيث تقاربت مواقف عدد من القوى الدولية بشأن ضرورة الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها، بينما ظلت الخلافات قائمة حول أدوات الضغط وشروط التسوية السياسية والترتيبات الأمنية. وبين هذا التوافق وذلك الاختلاف، تتشكل ملامح مرحلة قد تنتقل فيها الأزمة السودانية من الصراع على بقاء الدولة إلى الصراع على طبيعة السلام الذي سيحدد مستقبلها.
قدّمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، صورة قاتمة للأوضاع، مؤكدة استمرار تدهور المشهد الإنساني والعسكري، ومحذرة من احتمالات تصعيد جديد خلال الأشهر المقبلة مع استمرار تدفق الأسلحة وتجنيد المقاتلين. ويحمل هذا التحذير دلالة تتجاوز توصيف المأساة؛ فالحرب تواصل إنتاج أسباب استمرارها، بينما تبدو الأدوات الدولية المستخدمة لاحتوائها عاجزة عن تغيير مسارها. وهنا يبرز السؤال عن مدى استعداد القوى الكبرى لمراجعة مقارباتها بعدما أثبتت التجربة محدودية نتائجها.
اللافت في الجلسة كان وضوح الموقفين الصيني والروسي. فقد شددت بكين على سيادة السودان ووحدته ورفض الحكومات الموازية، واعتبرت أن الحكومة السودانية تتمتع بقاعدة دعم شعبي واسعة، داعية إلى عملية سياسية بملكية وطنية بعيداً عن الإكراه الخارجي. أما موسكو فأكدت شرعية مجلس السيادة ممثلاً للدولة، واعتبرت أن نظام العقوبات القائم بشأن دارفور يوفر الأدوات اللازمة لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات دون الحاجة إلى توسيعه. وتتجاوز دلالات الموقفين حدود العلاقة مع الخرطوم؛ إذ تنسجمان مع رؤية روسية وصينية أوسع ترفض توظيف العقوبات والضغوط الخارجية لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية، وتدافع عن أولوية السيادة الوطنية في إدارة الأزمات الداخلية.
في المقابل، دعت الولايات المتحدة إلى تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدة السودان ومؤسساته، لكنها جددت عزمها الدفع نحو توسيع نظام العقوبات ووقف تدفقات السلاح، وهو الاتجاه الذي أيدته بريطانيا مطالبة بزيادة الضغط على الجهات التي تمول الحرب وتغذيها. وتواجه واشنطن هنا اختباراً في اتساق سياستها؛ فالدعوة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية تستدعي التمييز بين أدوات الدولة السيادية وشبكات الحرب الخارجة عن سلطتها. وأي مقاربة للعقوبات تتجاهل هذا التمييز قد تضعف المؤسسات التي تعلن الولايات المتحدة حرصها على بقائها، وتزيد تعقيد التسوية التي تسعى إلى تحقيقها.
أما الموقف المصري، الرافض لأي كيانات أو ترتيبات موازية لمؤسسات الدولة، فقد عزز اتجاهاً إقليمياً يتقاطع مع الموقفين الروسي والصيني. ومن مجموع هذه المواقف يتضح أن محاولات إضفاء الشرعية على حكومة موازية تواجه اعتراضاً دولياً مهماً، بينما يبقى مستقبل السلطة والترتيبات الأمنية والسياسية بعد الحرب مجالاً مفتوحاً للخلاف. وهذه نقطة جوهرية؛ فالتوافق على وحدة الدولة يحدد الإطار العام للتسوية، لكنه يترك تفاصيلها الأكثر حساسية رهناً بتوازنات المصالح وموازين القوة على الأرض.
وحمل بيان مندوب السودان، السفير الحارث إدريس، تطوراً في طريقة عرض الموقف الرسمي، من خلال تقديم تصور تفصيلي لشروط الهدنة وضمانات تنفيذها، وانسحاب قوات الدعم السريع من المرافق المدنية، وتجميع المقاتلين ونزع السلاح، وصولاً إلى الحوار السوداني السوداني والانتخابات. ورغم أن هذه المرتكزات سبق أن حضرت في المبادرات والمواقف الحكومية، فإن جمعها في خطاب واحد أمام مجلس الأمن يمنح الخرطوم فرصة لتقديم رؤيتها بوصفها مشروعاً متكاملاً للسلام، بدلاً من الاكتفاء بالاعتراض على المبادرات الخارجية.
غير أن القيمة السياسية لهذه الرؤية ستتحدد بمدى انتقالها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. فالحديث عن لجنة مستقلة لتهيئة الحوار، وضمانات قانونية للمشاركين، وعدم تدخل الحكومة في اختيار الأطراف والأجندة والمخرجات، يحتاج إلى خطوات عملية تبني الثقة وتوسع المشاركة. كما ينبغي أن تحمي الضمانات حرية الرأي والعمل السياسي، مع المحافظة على حق الضحايا في العدالة والمساءلة عن الجرائم الجسيمة.
وتبرز هنا معضلة الهدنة الإنسانية بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً. فالخرطوم تخشى استغلالها لإعادة تسليح المليشيا وتثبيت سيطرتها على مناطق واسعة، بينما تضغط واشنطن باتجاه التعجيل بها لتخفيف معاناة المدنيين. ويمكن معالجة هذا التعارض عبر ترتيبات فنية ملزمة وقابلة للتحقق، تشمل مراقبة وقف إطلاق النار، ومنع تدفقات السلاح، وحماية المرافق المدنية، وتحديد جداول زمنية للانسحاب والتجميع. وتزداد أهمية ذلك مع المطالبة الأمريكية بتسهيل الوصول الجوي الإنساني إلى دارفور، وهو ملف يستدعي استجابة سودانية منظمة تجمع بين مقتضيات السيادة وواجب حماية المدنيين.
أما ما أورده البيان السوداني بشأن شبكات السلاح والمرتزقة والذهب والتمويل غير المشروع العابرة للحدود، فيكشف بُعداً إقليمياً بالغ الخطورة. ويقتضي تحويل هذه المعطيات إلى أدوات ضغط دولية تقديم ملفات موثقة قابلة للفحص والتحقق، بما يتيح استهداف شبكات الإمداد والتمويل والمسؤولين عنها، ويفتح مساراً قانونياً ودبلوماسياً يتجاوز السجال السياسي التقليدي.
وفي استشراف المرحلة المقبلة، تبدو ثلاثة احتمالات متداخلة. أولها استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن بشأن توسيع العقوبات، مع احتمال لجوء واشنطن ولندن إلى إجراءات منفردة أو منسقة خارج إطار المجلس، مستفيدتين من أدوات العقوبات الوطنية والشراكات الغربية. وثانيها تصاعد الضغوط لإقرار هدنة إنسانية قد تتحول شروطها وآليات مراقبتها إلى محور مواجهة دبلوماسية جديدة. أما الاحتمال الثالث، والأكثر تأثيراً في مستقبل السودان، فهو انتقال الخلاف الدولي تدريجياً من مسألة وقف الحرب إلى تحديد شكل التسوية السياسية والترتيبات الأمنية، وخاصة مستقبل قوات الدعم السريع، ونزع سلاحها، وموقعها المحتمل في أي ترتيبات انتقالية.
وقد يدفع استمرار التباين داخل مجلس الأمن إلى تنامي التنافس بين المسارات الدبلوماسية الأمريكية والإقليمية والأفريقية، وظهور مبادرات متوازية تختلف في شروطها وأطرافها وضماناتها. وهذا التعدد، إذا غابت عنه مرجعية مشتركة، قد يمنح الأطراف الدولية والاقليمية المهتمة وذات الأجندة فرصاً للمناورة بين المبادرات، ويحول عملية السلام إلى ساحة لتنافس الوسطاء ومصالحهم. ومن هنا تبرز أهمية أن تبادر الخرطوم إلى بلورة إطار وطني واضح للتفاوض، يحدد المبادئ الحاكمة لأي تسوية، ويستوعب الجهود الإقليمية والدولية ضمن مسار متكامل يحافظ على الملكية السودانية للعملية السياسية.
وهنا يكمن الخطر الاستراتيجي؛ فقد تتوافق القوى الدولية على وقف إطلاق النار، ثم تختلف حول كيفية التعامل مع القوة المسلحة التي أفرزتها الحرب. وإذا جرى تثبيت السيطرة العسكرية القائمة دون ترتيبات واضحة لنزع السلاح واستعادة سلطة الدولة، فقد تتحول خطوط التماس إلى مناطق نفوذ مستقرة، وتصبح التسوية مدخلاً لإعادة إنتاج الأزمة بصورة سياسية. وفي المقابل، فإن ربط الهدنة بمسار أمني قابل للتحقق وحوار وطني شامل يمكن أن يفتح الطريق أمام سلام أكثر استدامة.
ولهذا تحتاج الخرطوم إلى تحرك متزامن على ثلاثة مسارات: مبادرة سياسية وطنية ذات مصداقية وجدول زمني واضح، وخطة إنسانية شفافة تزيل العوائق أمام وصول المساعدات، وملف قانوني ودبلوماسي موثق يكشف شبكات تسليح المليشيا وتمويلها. ويتطلب نجاح هذه المسارات انفتاحاً حقيقياً على القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وتحويل المواقف الدولية المؤيدة لوحدة السودان إلى دعم عملي لترتيبات أمنية تحفظ احتكار الدولة للسلاح، وعملية سياسية تمنع تحويل السيطرة المسلحة إلى مصدر للشرعية.
لقد خرج السودان من جلسة مجلس الأمن بتأكيد دولي جديد على وحدة دولته، لكنه لم يحصل بعد على توافق بشأن الطريق الذي ينهي حربه. وبين الاعتراف بالسيادة والقدرة على ممارستها، تقف مسؤولية الحكومة السودانية في تحويل المواقف الدولية إلى مكاسب سياسية، والضمانات المعلنة إلى واقع، والحوار الوطني إلى مسار يستوعب السودانيين. فالمعركة المقبلة قد تكون على شكل السلام بقدر ما كانت المعركة الماضية على بقاء الدولة.
السبت، 17 أكتوبر 2026م


