مقالات الرأي

هل يجلس الفرقاء ،السماني، وحاتم، والفاضل، والكباشي، وحافظ و أيوب. وغيرهم على طاولة الوفاء، في ليلة تكريم رجل العطاء ؟ بقلم: عبداللطيف السيدح

 

ما أنبل أن يلتقي مختلفو الرأي، عند المواقف الكبيرة، وما أجمل أن تتوحد المسارات، في محطات الوفاء، والمروءة، وتداعيات واجب الرجولة والشهامة، ومعادن رجال السودان التي لا تعرف الصدأ،

ومع رفع نداء حي على تكريم أفضل وأكرم، وأنبل، وأخير، وأشجع، دبلوماسي عرفته محطة جدة وكان خيارا من خيار جاءت به محاسن الصدف في منطقة تمثيل مرعبة، وقاسية، وصعبة المراس لكنه تمكن من ترويضها بأخلاق عالية، ونية حسنة، فاحتوى بقلبه الكبير كل الرعايا من ذكر وأنثى ، وخاوى أصحاب الرأي، والرأي الآخر، وحمل بين جوانحه، نفسا أبية، وروحا خفيفة، وجاذبية شفيفة، إنه سعادة الدكتور السفير كمال علي عثمان القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، الذي سيودع أكثر من مليون ونصف من أبناء السودان الذين يقطنون على امتداد ساحل البحر الأحمر من جهة الشرق بالمملكة العربية السعودية، أو ما يعرف إداريا بالمنطقة الغربية.

وسيكرم الرجل من هؤلاء تكريما يليق به وبما أنجز وقدم خلال عامين فقط ولو أكمل العامين الأخريين لشهدنا العجب العجاب، لكنها سنة الحياة، وظروف العلة المرضية، التي تلزمه أن يكون في محطة غير ملتهبة وبجوار مشافي متقدمة بالمملكة الأردنية الهاشمية.

وفي يوم مناسبة وداعه ولحظة فراقه الأليمة، نطرح سؤالا نابعا من حرصنا على وحدة الصف السوداني، ومن محبتنا للجميع، ومن الإيمان بأن المصالحة ليست ضعفا، وأن التسامح ليس تنازلا، وأن الوفاء من شيم الكبار، فهل تختلط لحظات الفراق والدموع بمواقف الرجال، وهل سنرى السماني، وحاتم، والفاضل، والكباشي، وحجر، وحافظ، وأيوب، وشيخكو، وسائر رموز الجالية السابقين، والحاليين، مجتمعين حول طاولة واحدة، في حفل تكريم ووداع سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه، القنصل العام لجمهورية السودان بجدة؟

إنها دعوة تتجاوز حدود التكريم، لتصبح فرصة تاريخية لمصالحة القلوب، وتصفية الأجواء، وفتح صفحة جديدة عنوانها التسامح، ومضمونها التآخي، وغايتها توحيد الصف وجمع الكلمة، فجالية محافظة جدة أحوج ما تكون اليوم إلى مبادرات تجمع ولا تفرق، وتبني جسور التلاقي، وتردم حفر الخلافات، وتقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.

فيا سماني، وياحاتم، ويا فاضل، ويا كباشي، ويا حافظ، ويا أيوب، ويا أبناء جالية مدينة جدة، مدوا أيديكم لبعضكم بعضا، وتعانقوا، وتصافحوا، واجعلوا من وداع القنصل العام مناسبة جليلة لتصفير الخصومات، ونحن لا نطلب من أحد أن يتنازل عن قناعاته، ولا أن يتخلى عن حقه في الاختلاف، وإنما ندعو الجميع إلى أن يتفقوا على ما هو أكبر من خلافات، هم السودان الوطن الواحد ، ووحدة مصيره، وحمايته من المهددات وكرامة أبنائه، ووحدة جاليته في جدة ، وحقها في أن تعيش متآلفة متراحمة، تتعاون في الشدائد، وتفرح بالإنجازات.

وليس أجمل من أن يغادر الرجل موقعه، فيرى الذين اختلفوا في الأمس يجلسون اليوم متجاورين، يتصافحون بقلوب مفتوحة، ويقدمون نموذجا راقيا في التسامح ونبل المقصد، وتلك لعمري، ستكون أبلغ هدية تقدم له، وأصدق رسالة وفاء يمكن أن يحملها معه وهو يغادر جدة.

أما المحتفى به ، فقد ترك وراءه إنجازا يستحق الوقوف عنده، وفي مقدمة ذلك مبنى القنصلية العامة الجديد بجدة، هذا المشروع الذي كان رابعا، للغول، والعنقاء، والخل الوفي، وظل حلما بعيد المنال في نظر كثيرين، حتى توفرت الإرادة، وتجاوز الدبلوماسي المحنك، الشجاع، حاجز الرهبة، ومضى متوكلا على الله، وأخذ بأسباب التيسير ، حتى أصبحت للدولة السودانية قنصلية مشرفة، ترفع الرؤوس التي كانت مطأطأة، وقريبا سيرفرف على سارية أجمل وأكبر مبنى دبلوماسي سوداني في العالم علم “نحن جند الله جند الوطن”.

إن القنصلية الجديدة تمثل السيادة الوطنية في أرفع تجلياتها، وهو بيت للسودانيين، وعنوان لخدمة الرعايا وصون كرامتهم، وأثر مؤسسي يرجى أن تنتفع به الأجيال القادمة. وهو إنجاز ينبغي أن يحفظ في ذاكرة العمل العام، وأن ينسب الفضل فيه إلى كل من أسهم في تحقيقه، فالإنصاف أن نعطي كل ذي حق حقه، والوفاء أن نعترف بالجهد حين يستحق الاعتراف.

وفي هذه اللحظات تتجلى قيمة مبادرتنا الخالصة لوجه الله ، ونأمل أن يتحول حفل التكريم من مناسبة عابرة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العلاقات بين مكونات جالية جدة، وأن تتراجع الحساسيات، وتطوى صفحات الجفاء، وتفتح أبواب الحوار، والتعاون. وما أحوجنا إلى أن نثبت أن خلافاتنا لا تستطيع أن تنتزع منا فضيلة الوفاء، وأن روابط الوطن أقوى من كل تباين عابر.

فلنجعل من هذه المناسبة مصالحة قبل أن تكون احتفالا، ووفاء قبل أن تكون تكريما، وبداية جديدة قبل أن تكون وداعا، وليكن اجتماع الفرقاء رسالة إلى كل سوداني في المنطقة الغربية بأن أبواب التلاقي لا تزال مفتوحة، وأن اليد التي تمتد بالسلام أقوى من اليد التي تتمسك بالخصام، ولسعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه نقول، شكرا لما قدمت، وتقديرا لما أنجزت، ودعاء بأن يكتب الله لك التوفيق والصحة والعافية في ما هو قادم. فالمناصب زائلة، أما الآثار الطيبة فتبقى، والإنجازات الصادقة تحفظها ذاكرة الأوطان.

فهل نرى الفرقاء على طاولة واحدة، يتصافحون ويتصالحون، ويكرمون الرجل الذي يغادر وقد ترك أثراً؟ فذلك هو الرجاء، وتلك هي أمنية المحبين، وتلك هي الرسالة التي نريدها أن تبلغ الجميع، بأن الوفاء خلق الكبار، وأن المصالحة شجاعة، وأن وحدة الصف ليست شعارا يرفع، لكنها سلوك يمارس وموقف يثبت، فليكن وداع القنصل العام بداية وفاق، وليكن الوفاء جسرا يعبر عليه الجميع إلى غد أكثر محبة وتماسكا.

ودمتم.

إنها الأماني، فهل تتحول الطاولة إلى “ترند”

في تلكم الليلة البهية؟

أخوكم. عبد اللطيف السيدح.

زر الذهاب إلى الأعلى