الأخبار

اسماعيل شريف يكتب ..مقابر الدامر…شواهد ونقود

 

ومحدثي هذه المره استاذ ضليع ولغوي بارع يجمع ما بين الحكمة والفكاهة،، مكثت عنده بضعة ايام في رحلة البحث عن مأوى في زمن الحرب،،وطاب بي المقام إلى جواره في دامر المجاذيب،،فقضيت أياما بدت كأنها سويعات متسارعه،، وانا احمل همي من وقع دانات وقصف ودم يسيل على طرقات خرطوم الفيل وكرش الفيل الضخم يتضخم .
التقيت في تلك الأيام برموز المجتمع المجذوبي
في جلسات متعددة،،كان الصالون الكبير فيها مرتعا خصبا للحكاوي والمواقف الطريفة واللطيفة،،وشاي اللبن ساعة المغارب حاضرا أمام الدار المفتوحة،والناس لاتمر الا لتمكث قليلا استجابه لدعوة اتفضل معانا شاي..وتستمر الحكاوي بنكهة الشاي وطعم اللقيمات،، ولما كانت أجواء الحرب وسيرة الموت هي الغالبه في ونسات الناس وهمومهم لفت انتباهي حديث محدثي الأستاذ عباس الخديوي عن طفولته في دامر المجذوب وكيف انه حصد من تحت شواهد مقابر الشيخ المجذوب بضعة قروش كانت تعتبر حينها مالا كثيرا،،،وادفع هنا بنص اعده الخديوي بنفسه ليحلو الكلام من خشم سيدو

*مقابر المجذوب شواهد ونقود*

أهل الدامر وما حولها من المناطق كانت لديهم عقيدة قوية في الشيخ المجذوب صاحب الضريح المشهور بالمدينة والناس يتسابقون لدفن موتاهم في (مقابر الشيخ الميدوب) هكذا يسمونها حيث يقلبون الجيم ياءً والذال دالاً ولعل هناك بينهم وأهل الخليج شيئاً من الإلتقاء لا نعلمه (فالخلايجة) يقلبون الجيم ياءً أيضاً فيقولون :” الريال” (للرجال ). وآخرون من أهل الدامر يقولون: (مقابر الشيخ المجدوب ) بابدال الذال دالاً ..
المهم جاء ذكر مقابر الشيخ الميدوب لارتباطها بالموقف الذي سأذكره وهي بالقرب من مدرستنا ولما كنت بالصف الرابع الابتدائي وكنت لدي جمع كراسات قبل طابور الصباح فذهبت شاقاً الطريق عبر المقابر لأختصر المسافة وكسبا للوقت فرأيت رجلاً يدعو على متوفٍ له وقبل أن يغادر لاحظت انه وضع شيئاً على قبر المتوفي بالقرب من الشاهد الحديدي الذي كُتِبَ عليه اسمه وتاريخ وفاته مع الدعاء له .. فأخذني حب الاستطلاع وذهبت حيث المقبرة ووجدت (تعريفة) وتساوي نصف قرش وفرحت ونسيت جمع الكراسات وتجولت في المقابر كلها حيث جمعت مبلغاً من المال ما كنت أحلم به كان أربعة عشر قرشاً فقد كان المبلغ كبيراً جداً مقارنةً بما تعطيه لنا والدتي أنا وأخي خمسة قروش نفطر منها بأربعة قروش نحلي بقرش كل منا (تعريفة) نشتري بها مانريد من (الداندرمة) الايسكريم حالياً ومختلف الحلويات ..
ذهبت إلى المدرسة متأخراً في ذلك اليوم وأخذت عقابي (خمسة سيطان ) – جلدات – ولم يكن يهمني فقد خفف عني ألمها ما وجدته من مبلغ خرافي .. وللعلم لم أخبر أحداً لا أخي ولا أبناء خالاتي وأخوالي الذين هم معي بالمدرسة وصرت أذهب للمدرسة مبكراً ولم تكن نيتي الدراسة بل أن أذهب إلى المقابر واكتنز منها ماشاء الله لي أن اكتنزه .. وذات يوم كان ابن جيراننا مبكراً في ذهابه للمدرسة وأراد أن يختصر الطريق ولمحني على مشارف نهاية المقابر أقوم وأقعد عند كل مقبرةٍ فأسرها في نفسه ولم يقل لي شيئاً وإذا به في اليوم التالي يأتي مبكراً إلى المقابر وكاد أن يخرج منها ولمحته في نهاياتها وقد ترك لي المقابر فارغة فلحقت به وتشاجرنا- ( شكلة لي رب السما) وفي النهاية ما كان لنا من خيار غير الاتفاق واتفقنا على ان نتقاسم مانجده دون أن نخبر بذلك أحداً وكنت آتيه صباحاً ونخرج سوياً ونقتسم ما قسمه الله لنا .. إلى أن أخل صاحبي بالاتفاق وجاء مبكراً للمقابر وعندما ذهبت له في منزله قالوا لي ذهب إلى المدرسة عندهم ( كنس) ولم اطمئن للاجابة ولكني لم أقل شيئاً وذهبت إلى المقابر فلم أجده ولم أجد شيئاً فقد ترك صاحبي المقابر كما دفنوهم أهاليهم فارغة من أي شيء .. فأسرعت إلى المدرسة فوجدته يجلس على عتبة الفصل يتلمظ في (الداندرمة) وقلت له يلا أديني حقي فرفض وقال إنه لم يذهب للمقابر اليوم وتشاجرنا وأخذونا إلى مرشد الصف ولم يعترف أحدنا بسبب المشكلة وفي النهاية عاقبنا الاثنين وظل السبب مجهولاً خوفاً من ينافسنا أحد على ما تهبه لنا مقابر الشيخ الميدوب ..
ولعلي اعترفت بالسبب لأستاذي عندما صرت معلماً وكان هو مديراً لمدرستي وأنا في بواكير الالتحاق بمهنة التدريس .

 

زر الذهاب إلى الأعلى