د. عبدالفتاح سليمان يكتب وتبقى سيرتك هى الكلام ..

ولد بحى السيد المكي محاطا بأجواء من الفن الأصيل، الحى الذي ضم كرومة والامين برهان، وشهد اغنيات احمد المصطفى وحسن عوض ابوالعلا، كان ميرغني محمد ابنعوف مجذوب وهو اسمه الحقيقي يرهف السمع للأشعار والاغاني التي تنطلق من صالون ابوالعلا ولذلك ليس مستغربا أن تطرب ل محمد ميرغني وهو يغني ( حبيبي انا فرحان ) للجاغريو، ثم ارتحل إلى بحري وكان يمكن أن يكون لاعب كرة مشهور، لكن الفن أخذه من ساحات الملاعب الى الاستديوهات والمسارح ..
ظهر محمد ميرغني في منتصف الستينات وهى فترة شهدت ثبات فنانين كبار ابراهيم عوض، والطيب عبدالله، ووردي، وصلاح مصطفى، وزيدان، وآخرين، لكن محمد ميرغني بدأ بداية الكبار ساعدته عوامل عدة على اعتلاء المكانة التي وصلها بكده وجهده، فهو من اجيال الفنانين الذين امتهنوا التدريس إلى جانب الغناء ك الطيب عبدالله ومحمد وردي وشرحبيل احمد وعبدالقادر سالم ومصطفى سيد احمد وصديق عباس في، زمان كانت مناهج التدريس تهتم بالتربية الفنية والموسيقية من خلال معاهد اعداد المعلمين وبعثات معهد الموسيقى والمسرح، مما انعكس على أدائهم وحسهم الفني..
فالتدريس هو التزام وانضباط ومنهج، وهو مسرح من خلال حركة المعلم الدائبة في الفصل، وهو تمرين للصوت من خلال إلقاء الدروس، وهو تجويد بالاهتمام بمخارج الحروف والنطق السليم للكلمات فلا غرو أن تميز هذا الجيل، وفي حالة محمد ميرغني ساهمت عدة عوامل في انضاج تجربته الفنية وذيوع مشروعه الفني، أولها أنه نظر في خريطة الشعر الغنائي فاختار أزهارا من حدائق الكبار، فغنى للسر دوليب ( لو قدرت تغيب على، ومين فكرك ياحبيب، ومابتقدر تتوب، وأنا والاشواق )
اي لحظة بعيدة عنك ضايعة من أيام زماني.. وكل يوم كان لى في قربك اتمنى لو احياه تاني.. وروحي لو غنيت ليك مابتصور ما اعاني.. وغنى للتجاني حاج موسى ( تباريح الهوى، وحلو العيون وأخريات،
وبشكي ليكم يامظاليم الهوى..
اصلي مجروح مرتين..
امكن القى الزي فيكم..
ضاق جراح الحب ومتعذب سنين..
وإذا كانت ثنائية اللحن والأداء قد جمعت بين عمر الشاعر وزيدان، وابراهيم عوض وودالحاوي، وبشير عباس والبلابل، وسليمان ابو داؤود والخالدي، فإن مسيرة محمد ميرغني شهدت كل هذا الألق بفضل التؤامة التي ربطته بالافندي والخبير المصرفي حسن بابكر، وقد كان ل آلة العود مكان الجدارة في توليد الالحان وتصديرها، حتى صارت الجمل الموسيقية ذات طابع غنائي في اغلبها بتلاصق الاصوات مع الجمل اللحنية، حتى جاء حسن بابكر وقلب هذه المعادلة لصالح آلة الكمان ووظفها في توقيع الالحان بالقفزات الصوتية المفاجئة، فانسكبت حنية الكمان على الحانه التي جاءت طروبة وندية رغم أن حسن نفسه عواد ماهر وهو ليس غريبا عليه فقد تنوعت مشارب تجربته مع الالحان والانغام فهو قد تتلمذ على يد احمد مرجان ونشأ في بيئة الخرطوم جنوب ذات التجارب الموسيقية المتنوعة ( فرقة الخرطوم جنوب، ونادي شباب السجانة، ومركز ديم سلمان، إضافة لتجربته كعازف كمان مشهور وقف خلف كبار الفنانين ضمن فرقة وردي وعثمان حسين ..
ولم تكن بداية حسن بابكر مع التلحين مع محمد ميرغني، فقد سبق وأن لحن للفنان احمد فرح ( حليلك يابلدنا وسنة وزيادة ) ولحن ل عثمان مصطفى ( تعال ياقلبي سيبو كتير الساب حبيبو لا حزنك بينفع ولا دمعك بجيبو ) ولحن للراحل حيدر حدربي ( الزهرة ) حلاة الزهرة في ايد الزهرة صارت انضر زمان الزهرة تبدو شرودة وتحزن لما تفارق عودة شوفة في إيده باسمة ودودة وتضحك لما تداني خدوده .. غير ان تجربة حسن بابكر مع محمد ميرغني كانت ذات طابع خاص، فقد أدرك كموسيقي وعازف حجم الامكانات الصوتية الهائلة التي يتمتع بها محمد ميرغني صاحب الصوت الذي يحلق بين التنور الأول والباريتون، فأوقف تجربته اللحنية عليه لينصرف الأخير لتجويد الأداء، فقدم له مايربو على الثلاثين لحنا بدأها ب ( أنا والأشواق ) وهى الاغنية التي عرف الناس من خلالها محمد ميرغني ك فنان، وعبر بها متاريس لجنة النصوص والالحان واجتاز عبرها بوابة حوش الاذاعة ليستقر وسط عمالقة الفن والطرب. وإذ جاءت كثير من اغاني محمد ميرغني من اشعار حسن الزبير والسر دوليب والتجاني حاج موسى، فقد نوع من اختياراته في الكلمات مع شعراء آخرين كبار، منهم صلاح حاج سعيد، مرت سنين الشوق معاك..
ولا هلا في دنياك ربيع..
عانيت جحيم الحب وفاء..
قاسيت حلاوة الريد دموع..
راضي وسعيد في الويل تضيع..
وتسير طريق ما بتوصلو ماقلنا ليك..
وكان يمكن لصلاح احمد ابراهيم ان يكتفي بالطير المهاجر لوردي، لكنه نثر كنانته ورمى عشاق محمد ميرغني بسهم كتال، سهمك الفتاك اتلف المهجة وانت ماهماك ماشي في قتلاك موكب البهجة..
ومثلما كان مصطفى سند مقلا في شعره الغنائي لكنه ساهم في انجاح تجربة محمدميرغني ب ( عشان خاطرنا ) عشان خاطرنا خلي عيونك الحلوات تخاطرنا..
ولما تمري ابقي أقيفي واسألي عن مشاعرنا..
زمان غنينا لعينيك أغاني تحنن القاسين..
هدينالك معزتنا مشينا وراك سنين وسنين..
رحم الله محمد ميرغني فقد جمع بين الفن الراقي والصوت المتميز والأداء المتقن، فوصل بالغناء السوداني إلى ذروته ومنحه أصالة كان أحد صناعها، مما جعلنا نستمتع بأدائه حتى في حركة يده الشترا عندما يغني.
وتبقى سيرتك هى الكلام وتبقى سيرتك هى الغنا هى الرؤى الحلوة البعيشه في صحوتي أو حتى في عز المنام .


