أعمدة الرأي

عثمان الشيخ الاسد يكتب… (كانك يا ابوزيد ما غزيت)

 

كنتُ في السودان قبل الحرب بأسابيع.. وعلمت بوقوعها قبل ان تقع.. لأن النفوس تعلم أشياء بعلامات فشاهدت حاكماً جائراً، ووزيراً فاسداً، وعالماً مداهناً، وناسكاً منافقاً، وغنياً لا يُعين، وفقيراً قانتاً، وجليساً أحمقاً، وواعظاً مرائياً، وحاسداً لا يكُف، وصديقاً لا يواسي، وجاراً،، أن رأى خيرا، ستره وإن رأى عيبا، نشره ، وجاهلاً مكابراً، ومتعلماً ضالاً، وقاضياً مُسيّساً، وشاهداً مرتزقاً ، وتاجراً جشعاً، وعدواً فاجراً.. ورأيت الناسَ يفعلون الخير للمباهاة، يحترمون الغني ويحتقرون الفقير..

 

قال بعض الحكماء: إذا افتقر الرجلُ، اتهمه من كان به موثقا، وأساء به الظنَّ من كان ظنه حسنا. ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه.. وما من خلة هي للغني مدحٌ، إلا وهي للفقير عيبٌ، فإن كان شجاعا سُمِّي أهوجاً، وإن كان مؤثرا سُميَ مفسدا، وإن كان حليما سُميَ ضعيفا، وإن كان وقورا سُمي بليدا، وإن كان لسنا سُمي مهذارا، وإن كان صموتا سُمي عييا..

هذا هو ما جرى علينا في السودان قبل الحرب، وانطبق علينا قول الشاعر: *الناس أتباع من دامت له نعم … والويل للمرء إن زلّت به القدم

المال زين ومن قلّت دراهمه … حي كمن مات إلّا أنّه صنم*

 

كل هذه الصفات السالبة التي يراها الناس في الفقير ، لم تكن مجرد صفات والسلام، ولكنها كانت سمات سيطرت على هواء السودان وارضه ومائه وسكانه من بشر وحيوانات وسائر المخلوقات التي تعيش على سطح ارض السودان.. فكان حالنا الهوج والفساد والضعف والبلادة والعيي ، فإن البلاءَ مُوكل بالمنطق..

 

إن الحرب ستتوقف، مهما طال عمرها ، تتوقف لتنشب في مكان آخر ، هذه هي سنة الحياة..

أحمقٌ من يظن أن الحياة تسير كما هو يريد.. العاقل من عرف كيف يتعامل مع الواقع ان كان خيرا شكر، وان كان شرا صبر، كما قال عمر رضى الله عنه:

*لا أبالي على أي حالٍ أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره* أنتهى.. بهذا المفهوم يجب ان تكون طريقة تفكيرنا لتتلاشى جل همومنا ومصائبنا. َانها حقا نصيحة ذهبية من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. وتذكروا ان كل شي يولد صغيراً، ثم يكبر إلا المصيبة تولد كبيرةً ثم تصغر..

الحمد لله الذي جعل هذه الحرب سببا في سقوط اقنعتنا حتى نرى انفسنا كما هي لنقوم بالتغيير الإيجابي المطلوب، وإن لم يحدث ذلك التغيير، فلا فائدة من هذه الحرب

فكأنك يا أبا زيد ما غزيت..

 

6 يوليو 2024م

.

زر الذهاب إلى الأعلى