أعمدة الرأي

بابكر الاسيد يكتب .. : تنازع فضيلة التغافل وشهوة السبق الصحفي ،،

 

 1/ *عندما مثل أخوةُ يوسف – عليه السلام -* أمامه، فَعَرَفَهُم وهم له منكرون.. وبعد أن كاد لهم مكيدةً، علمها إيَّاه الله سبحانه وتعالى، والتي لم يكن ليستطيع أن يأخذَ أخاه – في دين المَلِك – إلا بها، وواجههم بأن أخاهم قد سرق، فقالوا: *(إن يسرق فقد سرق له أخٌ من قبل)..* فأسرها يوسفُ، (ولم يُبدِها لهم) وهو يعلم انهم يقصدونه.. اسر تعليقه عندما قال في سره: *(أنتم شرٌ مكانًا)..* وقد فعل ذلك لأنه لا يريد انتصارًا ولا انتقامًا لنفسه.. ولأنَّ له قضية وخطة يريد لها أن تنجح..

2/ *الرسول صلى الله عليه وسلم على عندما أسرَّ لنسائه حديثًا (عرَّف بعضه وأعرض عن بعض)* وقد فعلَ ذلك تكرُمًا، على الرغم من أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى نبأه به كله.. فإبداءُ كل الحديث مما نبأه به الخبيرُ العليم، ضرره أكبرُ من نفعه.. فالتغافل افضل وأحفظ للود بينه وبين نسائه، وبين نسائه بعضهن مع بعض.. 

3/ *حاتم الأصم* لم يكن أصمًا، ولكنه سُميَ بذلك لقصته مع المرأة التي أتته تسأله عن مسألةٍ، فلما أرادت ان تتكلمَ أحدثت بصوت، فاستَحَت ولم تستطع الكلام، فقال لها حاتمٌ: إرفعي صوتك، فأنا بيَ صممٌ ولا أسمعك جيدًا، فانفرجت اساريرُها بعد أن ظنت أنه لم يسمع ما أحدثت، فتكلمت بمسألتها. لم يكن أصمًا، لكنه تظاهر بالصمم ليرفعَ عن المرأة الحرج، فتتكلم.. فلو ابدا امتعاضًا وأظهر لها أنه سمع ما أحدثت، لاستحت وغادرت المكان ولفوتت على نفسها فتوى مسألتها، ولفوت على نفسه أجرًا عظيمًا.. 

4/ *وقال الحسنُ البصري*: ما تقصى كريمٌ قط.. الكريم يلزم التغافل عن ما تلقاه من معلومات، وهو يعلم انه – إذا تقصى – سيتحصل على ما لا يعنيه، أو يضر بعلاقاته.. 

مهنةُ الصحافة من أخطر المهن. فهي تساهم بصورة كبيرة وفعالة في تشكيل الرأي العام حيال اي موضوع، فالصحافة تقود الأحداث إلى حيث تريد. بل هي تصنع الحدث.. فالصحافة – بكل أنواعها – لا تقل عن المؤسسات الأمنية والاستخبارية والجنائية في صناعة الأحداث وفي الحصول على المعلومات وفي التقصي والتحري والتحقيق.. وتتنازع الصحافةَ والصحفيين شهوتا الحصول على الحقيقة والسبق الصحفي.. فالصحفي يتغلغل في أجهزة الدولة بين السياسيين ورجال الأمن وحراسه، وقادة الخدمة العسكرية والمدنية، فيمدون جسور التلاقي بينهم ويبذلون أقصى ما عندهم ليصلوا لقمة هذه المؤسسات، حيث المعلومات الطازجة، والتي هي المواد الخام للحقيقة والسبق الصحفي.. وليس في ذلك مأخذ أو عيب، فهي مهنتهم ومصدر رزقهم، وغايتهم الحقيقة هي ضالة الناس التي يبحثون عنها..

 كما أن هذه المهنة – الصحافة – هي مهنة المخاطر، فهي مصدر خطر على الصحفي وعلى مؤسسته، وأحيانًا على البلد وأمنها وسلامتها، وربما وحدتها واستقرارها.. فهي سلاحٌ ذو حدود متعددة.. فالبحث عن الحقيقة وعن السبق الصحفي، إن لم يكن تحت شعار (قدِّر لرجلك قبلَ الخطوِ موضعها) سيكون وبالًا على مصداقية الصحفي فينتقص من منها وتتآكل مصداقيته. فبعد ان كان مصدرَ ثقةٍ في تلقي الأخبار وتحليلها، يتلقى المتلقي خبره بكل ثقة ويوزعه ويبصم عليه بأن مصدره الصحفي فلان، يتحول إلى مصدر شك يعوزه التأكيد.. كما قد يكون وبالًا على الأمن المجتمعي والسلم.. 

إن مما ينتقص من رصيد الصحفي، عدم اتباعه لفضيلة *التغافل..* فقد يكون الخبرُ صحيحًا بنسبة مائة بالمائة، فالمصدر قد يكون صاحب القرار نفسه، أو من المقربين إليه، بحيث لا يمكن كذبه، فإنّ تقييم نشر الخبر او المعلومة، وإخضاعها لحسابات الربح والخسارة، وحسابات التغافل والتغاضي، يحتاج من الصحفي إلى قدرٍ من مقدرة المقاومة لشهوة السبق الصحفي.. فإذا غلبته هذه الشهوة، فسينشر المعلومة او الخبر، وإن كان نشرُها يهدد الأمن والسلم.. وإن كان نشرُها يهدد وحدة الصف الوطني.. وإن كان نشرُها سيغير اتجاه العمليات العسكرية.. وإن كان نشرُها ضد معسكره الذي يدعمه.. المهم – عنده – أن يفرغ شهوة السبق الصحفي ويتصدر وسائل التواصل الاجتماعي، ويصبح ترند ويكون محورَ الحديث.. ولتحرق البلد.. 

فهلا تحلى صحفيونا بفضيلةِ التغافل كما فعل الأنبياءُ والصالحون؟

*بابكر الشيخ الأُسيْد*

30 أكتوبر 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى