إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد العبادلة الثلاثة

كان لرجلٍ ثلاثة أولاد ذكور، أحدُهم اسمه عبدالله، اما الاخر كان اسمه أيضا عبدالله ولكن الثالث، فقد اختار له اسم عبدالله.. هكذا سمّاهم أبوهم، عبدالله، عبدالله وعبدالله. أنا شخصيا لا أعرف تبريرًا لذلك، غير أنه يريدُ أن يُوفرَ شهادات الميلاد، فكلهم يحمل شهادةَ ميلادٍ واحدة، الله أعلم.. المهم أن هذا الرجل – والدهم- قد توفي، وترك وصيةً منه فيما يخص ثروته الكبيرة، والوصية مكتوبٌ فيها هذه العبارة :“عبدالله يرث، وعبدالله لا يرث، و عبدالله يرث” (عقّدهم في حياته، وحيرهم في مماته).. فكانت الكلمات بمثابة لُغز، لأن أحد العبادلة لا يرث، فمن هو ؟ كلُ أهل القرية عَجِزوا أن يجدوا حلًا لهذا اللغز و فكًا لطَلْسمِه، فقرروا أن يلجأوا إلى القاضي الذي عُرف بالحكمة والفطنة. لكن هذا القاضي يعيش في قريةٍ بعيدة عن قريتهم، فوافق الإخوة الثلاثة، وعقدوا أمرهم على السفر للقاضي لعل عنده الإجابة الشافية أنا أكشف لكم النتيجة فالقاضي وجد السر وعرف من هو عبدالله الذي لا يرث، ولكن أعطيك فرصةً انت أيها القارئ كي تُفكرَ وتعرف من هو عبدالله الذي لا يرث، على كل حال قرر هؤلاء العبادلة الثلاثة الذهاب الي القاضي،
فلنذهب معهم الي القاضي.. في الطريق اجتهد انت لحل هذا اللغز، لعلك تجد حلًا وتُوفر عليهم مشقةَ السفر..
أثناء سيرهم في الطريق، وجدوا رجلًا في حَيْرةٍ من أمره، يبحث هنا وهناك عن شيءٍ مفقود، ثم سألهم هذا الرجل ، هل رأيتم جملًا هاربًا؟.. سأله عبدالله الاول : هل الجمل أعور ؟فأجاب الرجل : نعم
سأله عبدُالله الأوسط: هل الجمل أقطب؟ ( مقطوع الذيل).. فأجاب الرجل: نعم..
سأله عبدُالله الثالث : هل الجمل أعرج؟ فأجاب الرجل: نعم، ثم سألهم: أين الجمل الآن؟ فقالوا له: لا ندري عنه فنحن لم نره!! قال الرجل(متعجبًا): كيف تعرفون أوصافَه جميعَها، وتقولون إنكم لم ترونه!؟ إنكم لسارقون، فأجابوه: لم نسرقه… لم يصدق صاحبُ الجمل الضائع بأنهم لم يروا الجملَ، فشك فيهم واتهمهم بسرقته، وقال: لهم سوف اشتكيكم للقاضي.. قالوا له: ونحن أيضا قاصدين القاضي فاذهب معنا..
وصلوا القريةَ وتوجهوا جميعا إلى القاضي مباشرة.. عرض صاحبُ الجمل شكواه على القاضي، ولكن القاضي أجَّل الجلسةَ الى يوم غد بحجة أنهم قادمون من السفر ويحتاجون إلى الراحة وأمر أن يقدم لهم الطعام جميعًا، وأنزل العبادلة الثلاثة في غرفة وأوصى خادمه بتقديم الطعام لهم والتنصت عليهم وأن ينقل اليه كلَ كلمةٍ تخرج منهم. بعد ان جلسوا للطعام، وأثناء تناولهم له، قال الأول: إن الخادمة التي أعدت الطعام (حامل).. وقال الثاني: إن ما نتناوله ليس بلحم غنم، بل هو لحم كلب، وقال الثالث : هذا القاضي ابن زنا.. سمع الخادمُ كلامهم تعليقاتهم جميعها، ونقلها إلى سيده القاضي الذي صار يبحث عن كل جملة فيها. ذهب القاضي إلى الخادمة التي أعدت الطعام وسألها هل أنت حامل؟ فأجابت نعم، ثم ذهب إلى الجزار وسأله: ماذا ذبحت لهم؟ فأجاب : غنمًا يا سيدي! فقال له القاضي : لا، أنت لم تذبح غنمًا، فاعترف الجزار أن المذبوحَ هو كلبٌ وجده على الطريق، لأنه لم يجد أي غنم ليذبحه.. ولكن الخادم الجاسوس، لم يُخبر القاضي بما قاله عبدُالله الثالث، فسأله القاضي ما ذا قال الثالث: فارتبك الخادم، وبعد تهديد القاضي له بالحبس، قال الخادم إن الثالثَ قال إن القاضي ابنُ زنا.. فذهب القاضي مسرعاً إلى أمه التي أنكرت ومع إصراره، اعترفت بأنه ابن زنا فعلاً..
بدا القاضي في مداولة قضية سرقة الجمل فجمع الأخوة الثلاثة وصاحب الجمل المسروق، وبدأ في إلقاء الأسئلة عليهم واحداً تلو الآخر لمعرفة من سرق الجمل.. الأول : كيف عرفت أن الجمل أعور؟ أجاب : رأيتُ مكانَ الجمل وأنه يأكل من اتجاه واحد أي أنه لا يرى الجانب الآخر فعلمت أنه أعور.. الثاني : كيف عرفت أن الجمل اقطب؟ ( مقطوع الذنب) أجاب : إن من عادة الجمال أثناء إخراج الفضلات تحريك الذيل يميناً ويساراً مما ينتج عنه تناثر الفضلات، إلا أنني رأيت فضلات الجمل مُجَّمعة في مكانٍ واحد، فعلمت أنه أقطب. الثالث : كيف عرفت أنه أعرج؟قال : من خلال الآثار الموجودة على الرمال، فعلمت أن احد رجليه بها عُطب.. فحكم القاضي بانهم لم يسرقوا الجملَ، وأنه على صاحب الجمل أن يبحث عن جمله أو عن سارقه( والقاضي في قرارة نفسه يقول له إذهب ولا تشغلنا بسرقة جملك هذا، فانا نفسي متهم بانني مسروق وبالفعل انصرف الرجل المسكين، وظني أنه لازال يبحث عن جمله المفقود حتى الان. ومن هنا أناشدكم، بالله من وجد منكم جملا، أعور، أعرجَ مقطوعَ الذيل، فاليخطرنا على الرابط ألموضح أدناه.
جلس القاضي متشوقًا ومتوجسًا، ومتعجلا لحل هذه الالغار التي قالها العبادلة الثلاثة كيف عرفوا أن الخادم حامل؟ وأن المذبوح كلبٌ؟ وأن القاضي ابنُ زنا؟ سألهم القاضي واحدًا تلو الاخر،
الأول : كيف عرفت أن الخادمة حامل؟ قال: إنَّ الخبزَ المقدم إليهم كان سميكاً من اتجاه ورفيعاً من الآخر نتيجة لعدم التحكم من فَرْدِه، ولا يكون ذلك إلا من حامل.
الثاني : كيف عرفت أن المذبوحَ كلبٌ وليس غنمًا؟ فأجاب: إن لحومَ الإبل والغنم والبقر تكون عبارة عن (عظم – لحم – شحم) إلا الكلب يكون (عظم – شحم – لحم)
الثالث : كيف عرفت أني ابن زنا؟ قال : لأنك أرسلت من يتجسس علينا ولا يفعل ذلك إلا ابن الزنا.. فأجاب القاضي: ولا يعرف ابنَ الزنا إلا ابنُ الزنا، لذلك أنت عبدُ الله المحرومُ من الميراث، لأنك ابنُ زنا… أنتهت القصة
أنا كنت مستغربًا لماذا استقبل هذا القاضي تهمةَ أنه ابنُ زنا بهذا البرود؟ لكن يبدو أنه أسرَّها في نفسه وكان ناويًا عليه، وأخيرا أخرجه من الميراث، إنتقاما لنفسه.. لسانك حصانك إن صنته صانك، جملةٌ واحدة أخرجته من الميراث وأفقدته ثروةً هائلةً..
فائدة: هؤلاء هم العبادلة الثلاثة وهذه هي قصتهم، ولكن هناك عبادلة أربعة فمن هم؟
العبادلة هو لقب أُطلق على أربعةٍ من الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا ذكرهم أهلُ الحديثِ وغيرُهم من العلماء..
والله أعلى وأعلم..
3 نوفمبر 2024م


