خواطر اليوم 23 كتب: سراج الدين مصطفى (1)
ثمة تحولات بارزة شهدتها مسيرة الأغنية السودانية عبر مسيرتها التاريخية..وبغير تطوراتها منذ مجئ ود الفكي من كبوشية وتأسيسه للغناء ..ثم تطورات حقيبة الفن من عهد الطنبارة..ومروراً بالنقلة الكبري ألتي أحدثها خليل فرح وإضافاته من حيث الموسيقي والشعر المناهض للإستعمار ووقوفاً عند إبراهيم الكاشف الذي نقلها ووضعها في شكلها الحديث بإعتباره أول من أحدث التشكيل الأوركسترالي المتعارف عليه الأن..ذلك فيما يخص تطورها الألي..ولكن الغناء أيضاً كان لا قيمة له إجتماعياً..
(2)
كلنا نعرف بأن الفنان كان يقال عليه(صعلوك)..وكان ذلك التوصيف هو أكبر ظلم إجتماعي كان يعانيه الفنان..ولكن الثورة المفاهيمية التي حدثت بعد ذلك وتغير النظرة الدونية تلك وإنتقالها من مربع عدم الأحترام إلي الإفتتان بالفنان..لا يمكن مطلقاً أن نتجاوز مفجر تلك الثورة العميد الفنان أحمد المصطفي..وهوالرجل الذي تعب في أن يجعل للفنان وضعية إجتماعية مميزة ومقدرة..وما كان ذلك ليتأتي لأحمد المصطفي لو لم يكن هو مثالاً حياً يمشي بالخلق الرفيع والغنائية التي تدعو للفضيلة وتعيش هموم الناس وتعبر عنهم وتتوغل في تفاصيل حياتهم..لذلك من البديهي أن يكون أحمد المصطفي هو ذلك الفنان العلامة
(3)
فهو بغير إجتهادته تلك فهو أيضاً كان فناناً له رؤيته الغنائية واسس لمدرسته الخاصة..فهو عبر تاريخه المضئ والطويل قدم أغنيات كبار مثلت نقلات مهة ومحطات لا يمكن غير الوقوف عندها وتأملها ملياً ..لأن أحمد المصطفي لم يكن فناناً عادياً..فغنائيته أتسمت بالمباشرة والبساطة وفيها الكثير من الإنسيابية ..وهو لما يركن في غنائيته لشعر صعب التراكيب ولا الي جمل موسيقية معقدة..لذلك كان من السهل هضم غنائيته وقبولها الذي يصل حد المطلق..والوجدان السوداني لا يمكن بأي حال ان يتجاوز أغنيات مثل الوسيم ، ما أحلي ساعات اللقا ، بنت النيل ، يارايع ، طار قلبي ، يا حبيبي انا فرحان ، أنا أمدرمان ورحماك يا ملاك ،(حياتي حياتي) وغيرها وغيرها من الاغنيات الفارعة التي مثلت بحد ذاتها نقوشاً وحضوراً جميلاً علي مر الأيام..
(4)
من حديقة العميد أحمد المصطفي نقتطف زهرته اليانعة (حياتي حياتي) للشاعر المنسي مبارك عبدالوهاب رضوان ، هذه الأغنية التي شكلت بعثاً مفاهيماً في الغناء السوداني من حيث تركيبتها الشعرية في صياغة المفردة أو من ناحية التكريس لمفاهيم جديدة تجاوز بها أحمد المصطفي عصر الحقيبة وحقبة الغناء الحسي والمباشر . فبينما كانت عموم الأغانى الرسمية تتحدث عن المرأة واصفة اياها بمنظور حسى او هى أحزان رومانسية عن الغياب والدموع والسفر والأذى والحرمان ،فكأننا نسمع بكائيات جوفاء في مضمونها لكنها ذات جرس وسجع وهى مفردات حميمة نتلقفها ونروج لها فتصبح كذبة صدقناها ،ووسط هذا الزخم من اغنيات الحس واغنيات البكاء والنواح ظهرت أغنية (حياتى حياتى) وثيقة ضد السائد والمألوف تضع المرأة لأول مرة نداً للرجل مساوية له على الطريق – يصرخ (مبارك) مفتتحاً القصيدة بكلمات بسيطة معبرة قوية :
حياتى حياتى..
أحبك أنت كحبى لذاتى ..
أحبك أنت
لحبك أنت معانى الحياة ..
سلكتى طريق طريق محفوف
بكل محب وكل عطوف
نبذتى الضيق نزعتى الخوف
وقلتى نسير نسير ما نقيف
استطاع الرجل بتكرار العبارات ان يتمكن من اختراق قلب مستمعه مباشرة لم يكن الشعراء (شعراء الغناء) يقولون حينذاك مثل هذا الكلام وأن يرتبط الحب بعموم معانى الحياة انظر إلى المفردات (حب الذات) (معانى الحياة) تعابير غريبة على جسد الاغنية السائدة ولو لم يغنها أحمد المصطفى ويضع هذا اللحن الشفيف ويفرضها مجدداً في الاغنية لوجدت قمعاً مثلما يحدث مع كل جديد وعموماً – اعتقد ان هذه الاغنية – تجربة ثورية في الاغنية وان مبارك عبدالوهاب يستحق فقط بأغنيته هذه تكريماً خاصاً .. والشاعر مبارك عبدالوهاب من أوائل السودانيين المتخصصين فى كيمياء الغذاء من جامعة (براتسلافا) فى جمهورية تشيكوسلوفاكيا وعمل قبل ذلك ناظراً لمدرسة وسطى بكريمة وهناك نشأت بينه وبين الفنان الكابلي صداقه حميمه لم تثمر سوى اغنيه مشتركه عندما أرسل مبارك للأصحاب فى مروي بعد ان نقل للخرطوم فارسل برقيه من كلمه واحده (يا حليلكم) رد له الكابلى(ياحليلك انت براك..كيف نذكرك ما دمنا مابننساك) وهو إنسان مثقف ثقافة عالية ويتحدث بعدة لغات وعمل مستشاراً لأغلب مصانع السكر فى السودان.
(5)
في العام 2012 سافرت الي مدينة شندي .. وهي مدينة تقع بشمال السودان .. سافرنا لتلك المدينة الساحرة بغرض التوثيق للأستاذ الفنان الطيب عبدالله لبرنامج (سكة وتر) الذي كان يبث عبر قناة الشروق الفضائية ومن إنتاج الصديق العزيز جداً(ياسر عوض) الذى تشرفت معه بالعمل كباحث برامجى فى ذلك الوقت، قضينا في مدينة شندي قرابة الأسبوع في البحث والتقصي عن سيرة ومسيرة الفنان الطيب عبدالله، زرنا العديد من الأماكن وقابلنا العديد من الشخصيات ، منهم من تناسته الذاكرة وأسقطته ومنهم من بقي حياً في مقدمة الذهن .. ولعلي هنا أتوقف تحديداً عند الأستاذ الراحل (عادل علي ابراهيم ) الشهير (بعادل بمبة) .. فهو تقريباً الوحيد الذي لم تمارس معه ذاكرتي فعل الإسقاط والنسيان، فهو شاب حيوى ومثقف ثقافية عالية جداً ومتحدث لبق يحفظ معظم تواريخ شندي وما جاورها، ويعتبر مرجع مهم لا يمكن تجاوزه، وبغير ذلك فهو إنسان شهم وفي منتهي الكرم.. ولعل عادل ابراهيم بمبة يكان يمثل وجه مشرق لمدينة شندي.
(6)
الأخ الراحل عادل بمبة .. فهو بغير صفاته تلك التي ذكرنا جزء يسير منها، فهو كذلك إبن الشاعر الكبير (علي ابراهيم خليل) شاعر وملحن أغنية (مساء الخير يا الأمير) التي صدح بها المطرب الكبير عبدالعزيز محمد داؤد، وحينما كنا في شندي تحديداً أشار لي الأخ عادل ابراهيم علي غرفة أصبحت شبه متهالكة وقال لى بالحرف الواحد (أغنية مساء الخير يا الأمير إتلحنت وأتغنت في هذه الغرفة)، والذى أعترف به تماماً أن حاستي الصحفية وقتها لم تكن بذات الإهتمام الحالى بالتوثيق والبحث، فمن المفترض أن أقوم بتصوير الغرفة والتوثيق للشاعر الكبير (علي إبراهيم خليل) صاحب الروائع والتاريخ الثر والحافل والمثير.. و مثلت أغنية (مساء الخير يا الأمير) علامة فارقة في تجربة عبدالعزيز محمد داؤد ومن أكثر أغنياته إشتهاراً وقبولاًوذلك نسبة لمفردتها المحتشدة بالموسيقي والإيقاع ومع إنها إنتجت في زمن كانت تسود فيه أغنية الحقيبة ولكن هذه الأغنية تجاوزت الإطار التقليدى للقوالب اللحنية للحقيبة كما أن أدائية عبدالعزيز داؤد الرفيعة إرتقت بالأغنية بعيداً وجعلتها واحدة من عيون الغناء السوداني وهى عبرت تماماً عن قدرات شاعرها وملحنها الأستاذ الشاعر علي إبراهيم خليل.
(7)
كتب الشاعر والملحن علي إبراهيم خليل الكثير من الاغاني لعدد من الفنانين وتغني له اللحو بنشيد الجندي الهمام والجابري (بالجنة )وصلاح بن البادية (امنة):
يا الأخوان حليل ناس امنة
الفي الحشاشات كامنة
*****
امنة السمحة راسية ظريفة
السمحة راقية عفيفة
موجة مقصوصة فاقدة القيفة
ان ما ادو النسيم هوفهيفه
زي زرع القمح في الزيفة
كما تغني له أيضاً بأغنية (البنات )وابوعركي (النايرات خدودن ) وعثمان المو (بحبك )ولكن تظل أغنية مساء الخير يا امير هي أشهر ماكتب ووجدت الكثير من الرواج والإعلام ايضا زمن عبود تغني له بابكر ودالسافل بالعديد من الاناشيد انذاك(عبود ي جبل الحديد جيتنا بالرأي السديد ).. كان الراحل يقوم بتلحين العديد من الأغنيات حيث كان يجيد العزف على علي العديد من الألات الموسيقية ، كما كان يكتب المنلوجات التى كانت تعالج الكثير من المظاهر السالبة فى المجتمع . وان كانت اغنية (مساء الخير يا أمير) التى غناها أبوداؤد قد نالت النصيب الأوفر من الشهرة .. وكانت لفترة من الفترات شعاراً لبرنامج (مساء الخير ) بالتلفزيون القومى .. وهو من أصحاب فكرة بناء المسرح القومي رفقة الفكي عبدالرحمن والتي قاما بصياغتها كتابة و أدخلاها للوزير لطلعت فريد ووافق عليها ونفذت وقام المسرح والفندق الخاص به وهو مباني التلفزيون الامامية الحالية والفرق التي كانت تاتي وتشارك وكيف بدا التلفزيون ارساله وهو هدية من المانيا لعبود وكان في غرفة بسطوح الاذاعة ثم تحول لاستديو العمل الجماهيري والذي كانت تسجل فيه برامج الجماهير اشكال والوان لاحمد الزبير وساعة سمر لعمر عثمان ثم جراب الحاوي لمحمد سليمان فيما بعد.
(سراج الدين مصطفى)


