أعمدة الرأي

د. عبدالرحيم حاج الأمين يكتب التخبط في اختيار وزير الداخلية ! جدل المنصات الرقمية!؟ 

 

في الأسابيع الأخيرة، نشطت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تداول أسماء مرشحة لتولي منصب وزير الداخلية في السودان، شملت بعض الضباط المتقاعدين، وسط انقسام بين مؤيدين يرون في بعض الأسماء كفاءات جديرة بالمنصب، وآخرين يشككون في ولاءاتهم السياسية.

هذا الجدل لم يأتِ من فراغ!

أولًا:- غياب المؤسسية في عملية الاختيار

يُعد منصب وزير الداخلية من أخطر وأهم المناصب في أي حكومة، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الداخلي، والشرطة، والهجرة، والجوازات، وأجهزة السجل المدني.

وبحسب المبادئ الدستورية الحديثة، يفترض أن يتم اختيار من يتولى هذا المنصب على أساس الكفاءة المهنية، والنزاهة، والخبرة في العمل العام، بعيدًا عن الانتماء السياسي أو الولاء الأيديولوجي.

غير أن الممارسة العملية تُظهر غيابًا واضحًا للمؤسسية؛ إذ لا تخضع عملية الترشيح لمعايير شفافة أو مشاورات مؤسساتية كافية، بل تتم في كثير من الأحيان استجابةً لضغوط مراكز قوى، أو لحسابات أمنية وسياسية ضيقة، وفي الأحوال محاصصات كما تشير بعض الهمسات الواردة.

ضوابط الاختيار وفق القانون الوثيقة الدستورية وتعديلات 2025

تنص المادة (15) من الوثيقة الدستورية وتعديلات 2025 على أن:- “يتكون مجلس الوزراء الانتقالي من رئيس الوزراء وعدد من الوزراء… ويُعيَّن وزيرا الدفاع والداخلية بناءً على ترشيح من قيادة القوات النظامية.” وفق للنص يفترض أن يكون الترشيح من قيادة الشرطة للسيد رئيس الوزراء ولكن بعض الارهاصات تشير ان الترشيحات ترفع للمكون العسكري في مجلس السيادة ضبابية النص تثير كثيرآ من الاشكاليات مع غياب المحكمة الدستورية المعنية بالتفسير!

“هذا النص يعكس تغوّلًا واضحًا للمكون العسكري على اختصاصات السلطة التنفيذية، ويقيّد صلاحيات رئيس الوزراء ومجلس السيادة فيما يتعلق باختيار شخصيات مدنية مستقلة لهذا المنصب. وهو أمر يتعارض مع مبدأ الدولة المدنية القائمة على الحكم الديمقراطي والمؤسسية.

من هي قيادة قوات الشرطة المعنية بالترشيح؟

عرّف قانون الشرطة لسنة 2008 في المادة (18) هيئة قيادة الشرطة على المستوى القومي، والتي تتكوّن من:-

المدير العام للشرطة (رئيسًا)

نائبه، مديرو الإدارات العامة

عضوية أخرى تحددها اللوائح

وتُناط بهذه الهيئة مهام من بينها:- معاونة المدير العام في تنفيذ مهامه، إعداد مقترحات الموازنة، وأداء أي مهام أخرى يكلفون بها من الوزير أو المدير العام.

ورغم أن هذه الهيئة يُفترض أن تلعب دورًا محوريًا في تقديم رأي فني ومؤسسي في اختيار قيادة الوزارة، فإن الواقع يشير إلى تغييبها عمليًا في كثير من الأحيان، لصالح ترشيحات تأتي مباشرةً من القيادات العسكرية أو مراكز النفوذ!

فإذا كانت الجهة المختصة قانونًا بالترشيح هي رئاسة الشرطة العامة، فأين دور الإدارات المتخصصة التي تم فصلها بقرارات وزارية؟

الخاتمة: نحو إصلاح يضمن استقلال وزارة الداخلية

إن التخبط في اختيار وزير الداخلية، وتغليب الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، يكشف عن عمق الأزمة في بنية الحكم، ويدعو إلى إصلاح حقيقي يبدأ بإعادة النظر في نصوص الوثيقة الدستورية، وتفعيل الدور المؤسسي لهيئة قيادة الشرطة، بحيث يُقدَّم المرشح للمنصب على أساس الكفاءة المهنية لا الولاء السياسي.

ومن المهم توسيع دائرة المشورة لتشمل الضباط المتقاعدين، إذ يشكلون ذاكرة مهنية وخبرة ميدانية واسعة لا يمكن إغفالها. لذا، يُقترح تفعيل دور مجلس إدارة الإدارة العامة للمتقاعدين ليكون طرفًا مشاورًا في ترشيح القيادات العليا، باعتباره يجمع بين الشرعية النظامية والخبرة التراكمية.

فهذا المجلس، إذا ما فُعِّل دوره كمكوّن “هجين”، يمكن أن يسهم بفاعلية في ضمان ترشيحات مهنية، متوازنة، وذات رؤية إصلاحية حقيقية.

فبناء دولة القانون لا يتم بالنصوص وحدها، بل من خلال إشراك القوى المهنية الوطنية في اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ المسؤولية، والمساءلة، والمشاركة في إدارة الشأن العام.

الله غالب.

*✒️د. عبدالرحيم حاج الأمين*

القاهرة 11/ يونيو/2025

زر الذهاب إلى الأعلى