أسَيْدِياتُ الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب نظريات تطوير الذات وقوانين الكون ومدلولاتها الشرعية

كنتُ أبحثُ في الكتبِ عن المدلولِ الشرعي لبعض نظريات وقوانين الكون، مثل قانون الجذب، ونظرية كايزن، ونظرية الفستق والدلو والمغرفة، وغيرها من نظريات وقوانين. و في هذا الأثناء كان يوسفُ يرقبني وهومستلقيًا على الكرسي متكئا إتكاءةً كاملةً على ظهره ممددًا رجليه لأقصى ما يمكن، مربعًا يديه (ليس هناك ما يمنعه من فعل ذلك فقد، سقطت بيننا مؤنة التحفظ ) ونادرًا ما تجد إنسانًا تسقط بينك وبينه مؤونة التحفظ، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) الْمَعْنَى: لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ، وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ، بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ.
سألنى يوسف: أنت تبذل جهدًا ذهنيًا وبدنيًا ونفسيًا في البحث والنقل كي تكتب مقالا، ماذا تريد الحصول عليه؟ قلت: كنت أتوقع أن يكون سؤالك: (ما ذا تريد تقديمه وليس ماذا تريد الحصول عليه)
قال يوسف ولكن ليس في هذه الدنيا شيءٌ مجانًا، حتى الهواء الذي تتنفسه له مقابل، فلن تأخذ شهيقًا إن لم تصرف مقابله زفيرا، فما هي الفائدة التي تجنيها من كتابتك للمقالات؟ قلت له: انا اعمل بنظرية (الدلو والغرفة) عندما تملأ دلو اخيك يمتلئ دلوُك، قال: وهل أي نظرية تُقال تُصدقُها وتعمل بها؟ قلت: لا طبعا، ولكني إذا رأيتُ انَّ لها مدلولها الشرعي عملتُ بها، وإن كان غير ذلك صرفتُ النظر عنها، قال يوسف: ماهي نظريةُ الدلو والمعرفة وما مدلولها الشرعي؟ قلتُ: الدلو والمغرفة- باختصار- هي كلُ عملٍ إيجابي مفيد تقدمه للآخرين ستعود فائدتُه إليك، أما مدلولُها الشرعي، فهو الدعاء لأخيك على ظهر الغيب في الحديث الصحيح يقول ﷺ: ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك الموكل: آمين ولك بمثله. لم يكن يوسفُ مركزًا معي ولم ينصت إلى حديثي إليه، فقلت له: عليك تعَلُّم
مهارةَ الإنصات للآخرين، فقال بتهكم: وهل لهذه المهارة مدلولُها الشرعي أيضا؟ قلت له: لا تسخر من حديثي، نعم للإنصات مدلوله الشرعي في القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف:204)، ليعطي اللهُ الإستماعَ والإنصات كاملَ الاهتمام، وربطهما بالرحمة. في هذه الأثناء، عدّلَ يوسفُ من جلسته الاسترخائية، واعتدل في جلسته على الكرسي قائلا: كلما أقولُ جملةً، تجعل منها موضوعًا؟ ثم قام ليعمل شايًا، وسألني: أين الكاسات؟ قلت في نفسي: العربُ لا تقول كأسًا إلا إذا كان فيه شراب، وإلا فهي زجاجة، ولكن إن قلت ذلك ليوسفَ فسيغتاظ مني ويغادر، ولكني قلت له حاضر، وأشرت إليه بيدي إلى مكان الكاسات، فقال لي: لماذا لا تتكلم معي؟ قلت له: الإشارةُ من لغةِ الجسد، قال: سبحان المعبود! وهل لهذه أيضا مدلولها الشرعي؟ وأتبع سؤالَه هذا بضحكة ساخرة، قلت له: نعم، إسمع قولَ الله تعالى فى سورة مريم: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا 29
وكذلك قوله تعالى فى سورة آل عمران ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ.. سورة ال عمران.. قال يوسف عبارتَه المعروفة: (سبحان المعبود!!) كنت لا أحبُ نظريات تطوير الذات وقوانين الكون لاعتقادي أنها مخالفة للشرع، ثم قال: فعلًا، من جَهِل شيئًا عاداه، قلت له: وهل تعلم ان هذا المثل (من جهل شيئا عاداه) موجود نظيره في القرآن؟ بل كل الأمثال التي قالتها العرب- وإن كانت من البلاغة بمكان- إلا انَّها لا تُقاس ببلاغة القرآن، ومن هذه الأمثال: المثل الذي ضربته أنت الآن، من جهل شيئًا عاداه، مذكورٌ في قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) يونس 39، وغيرها من الأمثال، وعلى سبيل المثال لا الحصر: (القتل أنفى للقتل) هذا المثل يدلّ عليه قوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} والمثل (ليس الخبركالعِيان) يدلّ عليه قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وهذا المثل تكلّم به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عندما قال: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ؛ إِنَّ اللهَ عزّ وجلّ أَخْبَرَ مُوسَى عليه السّلام بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ ).. ومن الأمثال، أيضًا (ما تزرعْ تحصد) يدلّ عليه قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} [آل عمران من: 30].. ومنها:(كما تدين تدان) يدل عليه قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}.. ومنعا: (للحيطان آذان) يدل عليه قوله تعالى:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.. وقوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) الأعراف 31، هو تأصيلٌ للمثل: (الحمية رأس الدواء) وقولهم: (خير الامور وسطها) مذكورٌ في قوله تعالى(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) الإسراء 29.. وقولهم: (من أعان ظالمًا سلطه الله عليه) مذكورٌ في قوله تعالى :(كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله) الحج 4.. وقولهم: (لا تلد الحيةُ الا حيةً) مذكورٌ في قوله تعالى: (ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) نوح 27.. قال يوسف: سبحان المعبود! وحقًا الحديث ذو شجون كلما تطرقنا لموضوعٍ، نتج عنه موضوعٌ آخر، حتى صرتُ اترددُ في السؤال، خشيتُ أن تقولَ لي: مذكور في قوله تعالى: قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)الكهف
هذا هو كتابُ الله، ظاهره أنيقٌ وباطنُه عميق
واللهُ أعلى وأعلم..
12 أغسطس 2025م


