أعمدة الرأي

الكابتن محمد حسن الطاهر يكتب السودان: الاختيار الاستراتيجي المعرفي

 

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع تحديات الهوية، والتحول السياسي، والانتماء الثقافي، يبرز سؤال جوهري: ما هو الاختيار الاستراتيجي المعرفي الذي يجب أن يتبناه السودان ليعيد تشكيل ذاته ويصنع مستقبله من خلال عدسة معرفية تستند إلى مجموعة من المفاهيم العميقة التي تكشف عن جوهر التحول المطلوب.

 

*🧠 جيل جديد، أفق جديد*

“علموا أبناءكم علماً غير علومكم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم” — هذه المقولة ليست مجرد دعوة لتحديث المناهج، بل هي نداء لإعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والزمن. فالسودان، الذي عاش أجيالاً من التحديات السياسية والاجتماعية، يحتاج اليوم إلى أن يُعلّم أبناءه كيف يفكرون خارج الصندوق، لا كيف يكررون ما قيل لهم.

وفي هذا السياق، تأتي العبارة الإنجليزية: _”Every generation constitutes a nation”_ لتؤكد أن كل جيل هو أمة بذاته، لها رؤيتها، واحتياجاتها، وأدواتها. وكلمة “constitutes” تعني “يشكّل” أو “يُكوّن”، وهي ليست مجرد توصيف بل فعل تأسيسي. فكل جيل يشكّل السودان من جديد، ويعيد تعريفه وفقاً لمعارفه وتجربته.

 

 

*🔍 المعرفة مقابل الألفة :

من أخطر ما يواجه المجتمعات هو أن تتحول المعرفة إلى ألفة، لأن “familiarity breeds mistakes” — أي أن الألفة تُنتج الأخطاء. حين نعتاد على نمط معين من التفكير، أو على سردية واحدة للتاريخ، فإننا نغفل عن البدائل، ونقع في فخ التكرار. السودان بحاجة إلى زعزعة هذه الألفة، إلى إعادة النظر في مفاهيمه السياسية والاجتماعية، لا من باب النقد فقط، بل من باب التجديد.

 

*🪞 الانتماء كمرآة :

Affiliation is about mirroring” —

 

الانتماء ليس مجرد ولاء، بل هو انعكاس. حين ينتمي الفرد إلى وطنه، فهو يعكس صورة هذا الوطن في سلوكه، في رؤيته، وفي طموحه. والسودان اليوم بحاجة إلى إعادة تشكيل هذه المرآة، بحيث يرى المواطن نفسه فيها لا كضحية، بل كفاعل، كمؤسس، كمبدع.

 

*🌍 فك الاستعمار المعرفي :

من المفارقات أن القادة غالباً ما “يُفكّكون الاستعمار عن الأرض، لكنهم يعترفون بالأمم التي صنعها الاستعمار”. هذه المفارقة تكشف عن أزمة معرفية عميقة

– هل نحن نُحرر الأرض فعلاً، أم نُعيد إنتاج الخرائط التي رسمها الآخر؟

 

السودان بحاجة إلى اختيار معرفي استراتيجي يُحرر العقل قبل الأرض، ويُعيد تعريف الأمة وفقاً لثقافتها، لا وفقاً لحدودها.

 

 

*🌋 الثقة والحكمة صمّام الأمان :

الثقة والحكمة هما ما يمنعان “البركان” من الانفجار. فكما أن البركان موجود دائماً، لكن انفجاره يحتاج إلى وقت وظروف، كذلك الأزمات في السودان.

– الثقة بين المواطن والدولة،

– والحكمة في اتخاذ القرار،

هما ما يُبقيان هذا البركان خامداً. لكن غيابهما قد يُسرّع الانفجار.

 

 

*✨ الخاتمة:

السودان كفكرة متجددة :

الاختيار الاستراتيجي المعرفي للسودان لا يجب أن يكون مجرد إصلاح مؤسسات أو تغيير سياسات، بل هو إعادة تعريف للسودان كفكرة. كأمة تُشكّلها أجيالها، وتُعيد بناء ذاتها من خلال المعرفة، لا من خلال الألفة. السودان ليس ما ورثناه فقط، بل ما نختاره أن يكون.

فهل نحن مستعدون لهذا الاختيار؟ أم سنظل نُعيد إنتاج الماضي تحت مسمى المستقبل؟

زر الذهاب إلى الأعلى