أسَيْدِيَات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسَيْد يكتب التفضيل بين الانسان المهاب والانسان المحبوب

بعض الناس يُفضّلون من يحبون بسبب دفء مشاعرهم واستحقاقهم للثقة، والبعض يفضلون من يهابونهم بمقدار الخوف منهم بسبب قوتهم وجدارتهم، ولا يوجد خيارٌ ثالث (إما محبوب وإما مهاب)
خالي عبدالله دشي ، وخالي أحمد دشي ، كان الخال عبدالله دشي مهابًا، بينما كان شقيقُه احمد دشي محبوبًا، كانت الوالدة- ونحن أطفال- ترهبنا بأخيها المهاب عبدالله، لكي نسمعَ الكلام، وبالفعل كان هذا الترهيب كافيًا لاستتباب الأمن والاستقرار في المنزل، وأحيانًا- ولنفس الغرض- كانت ترغبنا بأخيها أحمد بانه سوف يمنحنا هدايا واموالًا إن التزمنا، ولكن في الواقع لم يكن هذا الأغراء نافذًا فانَّ الخالَ أحمد المحبوب-سوف يعطينا المال والهدايا في كل الاحوال
الهيبةُ هي أساس الطاعة والالتزام والجمع بين الهيبة وحب الناس أندرُ من الكبريت الأحمر. الرسول- صلى الله عليه وسلم- حالةٌ استثنائية، فهو كان- عليه السلام- محبوبًا ومهابًا في آن واحد؛ فكان محبوبًا محبةً صادقةً من أتباعه، ويُجلونه ويوقّرونه، وكان- أيضًا- مهابًا بسبب هيبته وسلطته النبوية، فقد كان يفرض الاحترامَ والوقارَ على الآخرين، سواءٌ من أتباعه، أو من أعدائه، وكانوا يحسبون له ألفَ حساب، لأنَّ محبتَه- عليه الصلاة والسلام- تابعةٌ لمحبة الله، لأنَّ الله يحبه
كان نبيُ الله (لوط) في حالة من الضعف ولم يهابه قومه، لأنهم رأوا أنه ضعيف ولاعشيرة له ماذا قال لوط في سورة هود الاية 81 ( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيد) تعنى الآية أن لوط عليه السلام تمنى لو كان لديه عشيرة منيعة وقوية بما يكفي لردعهم عن فعلتهم الشنيعة، ولكنه كان وحيدًا بلا نصير في تلك اللحظة، فكانت هذه الآية تعبيراً عن ضعفه واعترافًا بأنه لا يستطيع أن يحمي ضيوفَه من الملائكة.
ولأهمية الهيبة في الطاعة والاتباع لم يرسل الله رسولًا من بعد ( لوط) إلا في منعةٍ وعزة من قومه، وبعد لوط مباشرة بعث الله (شعيب )عليه السلام، بعثه اللهُ في عزةٍ من قومه، قيل كان نبيُ الله شعيبٌ ضريرا، وكان معارضيه يرونه ضعيفًا، لكنهم هابوه لخوفهم من عشيرته في سورة هود 91: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) لولا عشيرته لقتلوه رمياً بالحجارة، ولم تكن له مكانة لديهم. هابوا عشيرتَه ولم يهابوا اللهَ
علي رضي الله عنه كان محبوبًا، ولكن ماذا حدث في عهده؟ ومعاوية رضي الله عنه، كان مهابًا، فماذا حدث في عهده؟. في عهد ( المحبوب)على كرم لله وجهه- وقعت الفتن والانشقاقات، وكفر الشيعة بحبهم لعلي وكفر الخوارج ببغضهم له رضي الله عنه، كان أتباعه يحبونه ولا يهابونه، وخذلوه في الكوفة وفي النهروان، وأخيرًا اغتيل على يدِ أحدِ ممن كان يومًا ما من أتباعه، وأحسب انه توقع ذلك فهة صاحب المقولة المشهورة (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكونَ بغيضَك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) انتهى كلامه رضي الله عنه. كثيرا ما يقع بين الناس تحوَّل الحبيبُ إلى بغيضٍ وتحوّل البغيض إلى حبيب
اما معاوية- رضي الله عنه كان مهابًا، بهيبته أسس أولَ مملكةٍ في الإسلام، وكان هو أول ملكٍ في الإسلام، وهو مؤسس الخلافة الأموية، وأول خلفائها المسلمين، وأسس جيشَ الشام، وكانت له هيبةُ الملك
دهاة العرب الأربعة هم معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزيادُ بن أبيه.كلهم كانوا أصحاب هيبة في عصرهم ، اما زياد بن ابيه لشدة هيبته وقوته استعمله معاوية واليًا على البصرة، وكانت البصرةُ- في تلك الفترة- غارقةً في الفتن والاضطرابات والتمرد والخروج على الحاكم فماذا فعل زياد ؟ أول ما استقبل به أهل البصرة خطبته (البتراء) الخطبة البتراء هي خطبة لا تبدأ بحمد الله والثناء عليه ولا الصلاة على النبي ، إنما يدخل الخطيب في مخاطبة الناس مباشرة ، وهذا ما فعله زياد مع اهل البصرة قال لهم مباشرة:إِنِّي رأيت آخرَ هذا الأمرِ لا يَصْلُحُ إِلاَّ بما صَلُحَ به أَوَّلُه : لِيْنٌ في غيرِ ضَعْفٍ، وشِدَّةٌ في غير عُنْفٍ. وإِنِّي أقسمُ بالله لآخُذَنَّ الوَلِيَّ بالمُوْلَى، والمقيمَ بالظَّاعنِ، والمقبلَ بالمدبرِ، والمطيعَ بالعاصِي، والصحيحَ منكم في نفسِه بالسقيمِ حتى يلقيَ الرجلُ منكم أخاه فيقول انجْ سَعْدٌ فقد هلك سُعَيدٌ، أو تستقيمَ لي قناتُكم ،انتهي كلامه. استطاع زيادٌ بهيبته أن يقضيَ على الفتن واستتب الأمنُ واستقر الوضعُ وفُرضت هيبةُ الدولة وثبتت أركانُ الملك.
الهيبةُ مطلوبةٌ كي تستقرَ الأمور ويستقيم حالُ البشر، لأن الإنسانَ بطبعه متمردٌ، ولا يرغبُ في إطاعةِ الأوامر، حتى وإن كانت لمصلحته.. حزامُ الأمان في السيارة-لو تُرك الأمر لنا ما ربطناه ولو أدى ذلك إلى نهاية حياتنا ( أموت ولا أسمع كلامك) ولكن فرض العقوبة- التي لن تتفعل إلا بهيبة الدولة المستمدة من هيبة الحاكم- هي التي تُرغمُنا على ربط حزام السيارة والتقيُّد بالسرعة المحددة، وأن نلزم اليمين، حتى لو كنا (يساريين) ولولا الخوف من وقف الخدمات، لما جددنا هوياتنا، ولولا الخوف من قطع التيار الكهربائي عن منازلنا، ما سددنا فواتير الكهرباء.. هذه القوانين- وغيرها- موجودةٌ في معظم الدول، لكن لا أثر لها في غياب هيبةِ القانون المستمد من هيبةِ الدولة المستمدة من هيبة القائد المهاب
لذلك، أرى أنَّ المهابَ العادل، هو الذي يملك زمامَ الأمور وينظم الحقوق، ويقوم الحدود ويحمي الضعيفَ وينصر المظلومَ ويعاقب الظالمَ، ويؤمنُ الناسَ، وعلى الإنسان المهاب إن تولى أمر الأمة أن يستحضرَ قولَ الله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.الحج 41
أما المحبوبُ، فيكونُ أفضلَ في العمل العام المرتبط بالعلاقات الإنسانية (مثل تقديم الدعم الإجتماعي)
وفي الختام، إن كنتَ مهابًا او محبوبً، إجعل لسانَك رطبًا بهذا الدعاء: (اللهمَّ ألبسني المهابةَ والمحبةَ، وارزقني الوجاهةَ والقبولَ، واجعلني عظيمَ القدرِ والجاهِ عندك ، ربي هَبْنِي المكانةَ الساميةَ والمنزلةَ العاليةَ والدرجةَ الرفيعةَ ، اللهمَّ عِزَّني في عيونِ خلقك، وأكرمني بينهم وانصرني وسخر لي عبادَك كما سخرتَ الكونَ لخلقك)
والله أعلى وأعلم..
9 سبتمبر 2025م


