أعمدة الرأي

بين السطور  هيثم الريح يكتب سلمى عبدالجبار المبارك موسى: عودة الصورة التي لا تحرك ساكنًا.. من يمثل شعب الوسط المُنهك؟

 

في مشهد يكرس أزمة التمثيل الحقيقي في أروقة السلطة،عاد الاسم القديم إلى الموقع القديم؛ سلمى عبدالجبار المبارك موسى، للمرة الثانية إلى المجلس السيادي، ممثلة لقطاع الوسط بولاياته الثلاث (الجزيرة، النيل الأبيض، سنار). عودة تثير سؤالاً وجوديًا: هل هي مكافأة على صمتٍ مُطبق، أم مجرد استمرار لطقس التقاسم الذي لا يعير اهتمامًا لمعاناة الإنسان؟

 

لننظر إلى الخلف قليلاً. في المرة الأولى التي شغلت فيها السيدة سلمى هذا المقام الرفيع، غادرت ولم يرمش لها جفن، ولم يثر رحيلها أي أسى شعبي أو حتى تساؤل إعلامي. كان حضورها أشبه بـ “كائن بيروقراطي أسطوري”، موجودًا في الأوراق الرسمية، غائبًا تمامًا عن ساحات الفعل والتأثير. لم نسمع لها رأيًا حاسمًا في أزمة سياسية، ولم نر لها أثرًا في مشروع خدمي، ولم تشفع لها مكانتها الاجتماعية أو العلمية لتكون صوتًا مسموعًا لقضايا أبناء دائرتها.

 

اليوم، وفي خضم حرب طاحنة دفع فيها قطاع الوسط، ولا يزال، أعلى فاتورة من الدم والألم والتهجير، نعود لنجد الوجه نفسه على رأس التمثيل. والمفارقة المأساوية أن شعب هذا القطاع، الذي صعدت باسمه إلى مقعدها المرموق، يبحث عنها بين الجرحى والمشردين ولا يجدها، ينتظر منها كلمة تضمد جراحًا أو تحرك ملفًا متعثرًا فلا يسمع لها صوتًا.

 

أين هي من مستشفيات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض المزدحمة بضحايا الحرب؟

وأين هي من بيوت الثكالى والأرامل التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة؟

وأين هي من مزارعي الجزيرة الذين تحطمت أحلامهم ومحاصيلهم؟ أسئلة تظل تتردد في فضاء المعاناة، دون أن تجد من يجيب عليها.

 

يبدو أن السيدة ممثلة الوسط قد اختارت أن تعيش في “برجها العاجي” الآمن، بعيدًا عن ضجيج المعاناة ورائحة الفقر والدم. فالمقعد الرفيع، في نظرها، قد يكون مجرد وسام شرفي يُعلق على الصدر، وليس منصة للمساءلة أو أداة للتغيير.

إنه الفارق الشاسع بين من يرى المنصب مسؤولية، وبين من يراه إمتيازًا.

 

يا بنت الشيخ الجليل.. ماذا تفعلين؟

 

إلى السيدة سلمى نفسها، نوجه سؤالاً مباشرًا: ما الذي تفعليه في هذا المقام؟

هل يكفي أن تكوني مجرد إسم في خبر، أو صورة في إجتماع مغلق؟ أليس من المؤسف، وأنتِ إبنة هذا الشيخ الجليل المعروف، أن تكوني أبعد ما يكون عن هموم ناسك وأهلك، بينما هم ينظرون إليك كطوق نجاة أخير، فلايجدون إلا الصمت المطبق والغياب المريب؟

 

لقد خانك صمتك مرة، فلا تخوني موطنك مرة أخرى.

إما أن تتحولي إلى فاعلة حقيقية، تزورين المشاريع المتعثرة، تتحدثين مع الأسر المكلومة، تضغطين في دهاليز السلطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإما أن تعتذري بشرف وتتركي المقعد لـ “قوي أمين” ينهض بهموم الوسط وقضاياه الملحة، كما تقتضي الأخلاق والمسؤولية.

 

*آخر السطور*

 

شعب الوسط لا يحتاج إلى ممثلين في الصور الرسمية، بل إلى من يُمَثِّلُ قضيتهم بصدق وشجاعة. فإما أن تثبت السيدة سلمى أنها خيار وليس مجرد ديكور، وإلا فإن تاريخها في المنصب لن يُسجل سوى كـ فصل آخر من فصول اللامبالاة التي يعاني منها شعبنا منذ زمن طويل.

 

الكرسي ليس وسادة للراحة.. إنه محك ومحل المسؤولية.

زر الذهاب إلى الأعلى