دكتور الطيب عبدالجليل يكتب العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(8)

العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(8)
———————-
رؤية إنتقادية لتطبيق معايير المحاكمة العادلة المنصفة في السودان– محاولة لمقارنات دولية(4)
———————-
التحكيم من منظور معايير المحاكمة العادلة والمحاكمة العادلة المنصفة(2)
———-————
من ما نص عليه الدستور والقوانين الاجرائية في النزاعات والخصومات المدنية الطابع في السودان، نصوص تشريع قانون الاجراءات المدنية 1983م تعديل 2018م، بأن يُطبق القانون على الاجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الاحوال الشخصية، وعلى الاجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين أخرى. وكما نص قانون الاجراءات المدنية على أنه إذا لم يوجد نص تشريعي من القانون، يمكن تطبيقه على الاجراءات في المسألة المعروضة، تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة .وأنه في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي، تطبق المحاكم الشريعة الاسلامية، والمبادئ والعرف والعدالة والوجدان السليم التي استقرت قضاءاً في السودان.
وكما نص تشريع قانون الاجراءات المدنية، لمحكمة الاستئناف القومية اختصاص الفصل القضائي فى الاستئنافات التي تُرفع إليها من الاحكام والاوامر الصادرة بصفة ابتدائية من المحكمة المدنية العامة، ومن محكمة القاضي الجزئي، ومن محكمة قاضي الدرجة الاولى اللتين تقعان في دائرة اختصاصها. والفصل في الاستئنافات التي تُرفع إليها من الاحكام والاوامر الصادرة من المحكمة المدنية العامة في قضايا محكمتي القاضيين الجزئيين من الدرجة الثانية والثالثة بصفة استئنافية. وتختص محكمة الاستئناف – قاضي الاستئناف الفرد – المختص بنظر الطعون الادارية في الدائرة الادارية في المحكمة العليا، بالفصل القضائي في الطعون والقرارات الادارية الصادرة من سلطة عامة، بخلاف القرارات الادارية الصادرة من رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء القومي.
ومن ما نص عليه قانون الاجراءات المدنية، تختص المحكمة القومية العليا بالفصل القضائي في الطعن بالنقض في الاحكام والاوامر الصادرة من محاكم الاستئناف. وأيضاً الفصل في الطعن بالنقض – بطريق المراجعة – في الاحكام الصادرة من محاكم الاستئناف في الطعون الادارية، على الرغم من النص على الطعن بالنقض ضمن اختصاصات المحكمة العليا في دائرة النقض. وكما تختص المحكمة العليا – قاضي محكمة عليا فرد – المختص بنظر الطعون الادارية في الدائرة الادارية في المحكمة العليا، بإلغاء القرار الاداري الصادر من رأس الدولة أو الوزير القومي أو التعويض عنها.
وبالنظر في تشريع قانون التحكيم لسنة 2016م، ينص تشريع القانون على أن طلب بطلان حكم هيئة التحكيم، يُقدم لمحكمة الاستئناف بعريضة تودع لدى مراقب محكمة الاستئناف. وأنه للفصل القضائي في طلب البطلان لالغاء حكم هيئات التحكيم، اجراءات نظر الطعن بالبطلان تسري عليها ذات القواعد الاجرائية التي تسري لنظر الاستئناف أمام محكمة الاستئناف.
ومن ما نص عليه تشريع الوثيقة الدستورية 2019م تعديل 2025م، أن الحق في التقاضي مكفول للكافة، ولا يجوز منع أحد من حقه في اللجوء إلى العدالة. وكما نصت ذات الوثيقة الدستورية على حرمة الحقوق والحريات بأنه لا يجوز الانتقاص من الحقوق والحريات المنصوص عليها في الوثيقة، وأن تصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الاخرى الوثيقة وتحميها وتطبقها. واقتصار الوثيقة الدستورية اسس ومعايير المحاكمة العادلة بالنص التشريعي عليها صراحة وبطريق مباشر على الجوانب الاجرائية في مسائل القضايا الجنائية، دون النص على المسائل الموضوعية، ودون النص الصريح والمباشر على مسائل القضايا المدنية والادارية والتحكيمية.
بالتحليل لنصوص التشريع من الدستور والقانون عن التحكيم في السودان، النصوص التشريعية تثير وتطرح إشكاليات عديده عن العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية من الدستور والقانون والقضاء. وجوهرها، أن قانون الاجراءات المدنية في السودان (قانون المرافعات)، يتيح بسط الرقابة القضائية الواسعة على احكام وقرارت محكمة الاستئناف. وأن ذات قانون الاجراءات المدنية، وفيما يتعلق بطلبات إلغاء احكام هيئة التحكيم، القانون ضمن اختصاصات محكمة الاستئناف في قانون الاجراءات المدنية، لم ينص على اختصاص محكمة الاسئناف بالفصل القضائي في طلبات الغاء احكام هيئة التحكيم. ومع ملاحظة، توسعة الرقابة القضائية في تشريع قانون القضاء الإداري 2005م تعديل 2017م، بتطبيق قانون الاجراءات المدنية فيما لم يرد بشأنه نص تشريعي خاص في قانون القضاء الاداري. والنص التشريعي الصريح والمباشر في قانون الاجراءات المدنية، باختصاص محكمة الاستئناف في الدائرة الادارية في المحكمة القومية العليا – قاضي محكمة الاستئناف الفرد – بالفصل القضائي في القرارات الادارية الصادرة من سلطة عامة، فيما عدا القرارات الادارية الصادرة من رأس الدولة أو الوزير القومي.
هذا التباين التشريعي في الوثيقة الدستورية والقانون، يكشف وجود فراغ وقصور واضطراب تشريعي في الدستور والقانون الاجرائي وقانون التحكيم. مما يخلق فجوة وإشكاليات تشريعية، يمكن أن تحدّ من فعالية الرقابة القضائية على التحكيم، وتضعف من ضمانات المحاكمة العادلة للأطراف، بما يشمل حماية حقوقهم في الطعن ومراجعة الأحكام التحكيمية. وأن ينتج عن هذا التباين التشريعي، اختلال وقصور في التناغم بين القوانين الدستورية والإجرائية والتحكيمية، مما يؤثر على العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية في السودان، ويبرز الحاجة إلى تحديد أسس ومعايير واضحة لكل منهما.
فالمعايير الدستورية في العدالة الدستورية المنصوص عليها في المواثيق الدولية للعهد الدولي 1966م المنصوص عليها في المادة 14، والمصادق عليه في السودان قانون وطني داخلي 1969م. ومبادئ حقوق الانسان 1948م، حق المساواة أمام القانون في المادة 7، والحق في محاكمة عادلة ومنصفة أمام محكمة مستقلة ومحايدة في المادة 10، وافتراض البراءة في المادة 11، وحظر الاعتقال التعسفي في المادة 9، ومبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية في المادة 11/2). والاتفاقيات الاقليمية لحقوق الانسان، على سبيل المثال لا الحصر الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان 1950م، المنصوص عليها في المادة 6، الحق في محاكمة عادلة وعلنية خلال فترة زمنية معقولة، بواسطة محكمة مستقلة ومحايدة. وضمان حقوق الدفاع، وعلنية النطق بالحكم، والحق في الطعن أمام محكمة أعلى درجة، وحظر العقوبة دون قانون، هي قواعد تشريعية منصوص عليه في المادة 7. واتفاقية الاتحاد الافريقي لحقوق الانسان 1981م، القواعد التشريعية المنصوص عليها في المادة 7، وتنص على الحق في محاكمة عادلة، والحق في افتراض البراءة، والحق في الدفاع (بما في ذلك الاستعانة بمحامٍ)، والحق في الطعن في الحكم أمام محكمة مختصة، وحظر المحاكمة على أفعال غير مجرمة وقت ارتكابها. والميثاق العربي لحقوق الإنسان 1994م، المادة 13، الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة، والحق في المساواة أمام القانون، وافتراض البراءة حتى تثبت الإدانة، وعدم رجعية القوانين الجنائية. جميعها أسس ومعايير ومبادئ عالمية وكونية، تؤكد على الحق في الوصول إلى القضاء وحماية الحقوق والحريات. بينما معايير العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية في السودان، تتطلب وضوح اختصاص المحاكم العادية المؤسسية في الرقابة القضائية على التحكيم، وإتاحة إجراءات عادلة للطعن في أحكامه، بما يحقق توازناً بين استقلالية التحكيم والرقابة القضائية.
ما يعني من التحليل للنصوص التشريعية، من الضروري معالجة الفراغ التشريعي بنصوص تشريعية واضحة صريحة ومباشرة، تحدد اختصاص محكمة الاستئناف في القواعد الاجرائية العامة المنصوص عليها في قانون الاجراءات المدنية، وتلك المنصوص عليها في قانون التحكيم بالفصل في طلبات إلغاء أحكام التحكيم، نظراً في طلبات الغاء احكام هيئات التحكيم بالبطلان في المسائل الموضوعية والاجرائية على السواء. وربطها بالضمانات الدستورية للعدالة الدستورية والعدالة التحكيمية، بما يحقق توافقاً بين قواعد القانون وقواعد التحكيم، ويعزز حماية الحقوق. كما أن تطبيق المبادئ العامة للعدالة من الدستور وقانون التحكيم والقضاء، فيما يتصل بمبدأ المساواة بين الأطراف ومبدأ حق الدفاع ومراعاة المبادئ القانونية المستقرة، المبادئ بالجملة فيما بينها عناصر جوهرية لضمان تحقيق العدالة القضائية في كافة المسائل والقضايا، سواء كانت جنائية أو مدنية أو إدارية أو تحكيمية.
وبالتالي، معالجة التباين والقصور والفراغ التشريعي في الوثيقة الدستورية والقانون، ووضع معايير واضحة للرقابة القضائية على التحكيم في السودان، تصبح حاجة ضرورية وملحة، لأنه يعزز من فعالية العدالة الدستورية، ويحقق التوازن بين حرية الأطراف في التحكيم، وضمان حماية الحقوق القانونية للأطراف، ويترجم نصوص الدستور والقوانين إلى واقع عملي يرسخ أسس العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية. مما يلزم ضرورة تناول معايير العدالة الدستورية ومعايير العدالة التحكيمية من الدستور والقانون والقضاء، وأسس كل منهما في سياق العدالة في الدستور والقانون والقضاء العادي. وذلك، لفهم اُسُس ومعايير العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية، ومقارنة العدالة الدستورية والتحكيمية في السودان، بالتجارب الدولية للدول وهيئات التحكيم التجاري والاستثماري والرياضي الدولي والوطني.
وتفصيلاً إيجازياً غير مخل بياناً وتوضيحاً، نتناول أسس ومعايير العدالة الدستورية والتحكيمية والقضائية، بالتفصيلات الآتية:
(أولاً) معايير وأسس العدالة الدستورية:
———————-
العدالة الدستورية فرع من فروع العدالة القضائية، يركز على حماية القيم والمبادئ الدستورية، مثل، حقوق الإنسان، والفصل بين السلطات، وتأكيد ديمقراطية الحكم – بضبط وتنظيم جهاز إدارة الدولة (الحكومة) -ومقصودها؛ ضمان أن تكون تشريعات القوانين والسياسات والأفعال الحكومية، أعمال وافعال متوافقة مع الدستور. ومفهومها؛ الحماية الدستورية للحقوق والحريات، بمراقبة أي انتهاك للحقوق الأساسية المضمونة دستورياً بحمايتها وصيانتها وتعزيزها. وأن المراجعة القضائية – بحسب الحال من الدستور والقانون – تكون من خلالأعمال المحكمة الدستورية أو المحكمة العليا المختصة بتقيم دستورية القوانين أو الأفعال الحكومية. وضمان التوازن بين السلطات لأجهزة سلطة الدولة المكون لأركان الحكومة، بمراقبة الحكومة والتشريع والتنفيذ للأحكام الدستورية، لضمان عدم تجاوز أي سلطة حدودها. وتهدف العدالة الدستورية إلى حماية حقوق وحريات الأفراد، وضمان سلامة النظام الدستوري، بالالتزام الدقيق بالنصوص الدستورية والمواثيق الدولية ذات الصلة والعلاقة. وتعتمد العدالة الدستورية على مجموعة من الأسس والمعايير والمبادئ التي تضمن حماية القيم الأساسية للدولة والمجتمع، ونشير لها تفصيلاً، وبايجاز في الآتي:
1. أسس العدالة الدستورية:
———————-
(1) سيادة الدستور: بأن كل القوانين والأفعال الحكومية، يجب أن تتوافق مع الدستور.
(2) حماية الحقوق والحريات الأساسية: بتأكيد ضمانة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين المنصوص عليها في مواثيق العهد الدولي 1966م، المصادق عليها السودان بقانون 1969م.
(3) فصل السلطات: بالتوازن بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، لمنع تجاوزات السلطات بعضها ببعض، لتدخل سلطة في نطاق مجال السلطة الاخرى.
(4) شرعية السلطة: أن السلطة الحاكمة (الحكومة)، تعمل وفق الدستور والقانون، وليس وفق إرادة شخصية أو استبدادية.
(5) الرقابة القضائية على دستورية القوانين: وتكون من خلال الأعمال القضائية للمحكمة الدستورية أو المحكمة العليا المختصة بالمسائل الدستورية، للتأكد أن كل تدبير تشريعي أو قضائي أو تنفيذي، لأي من أعمال الحكومة، مطابق للدستور.
2. معايير العدالة الدستورية:
———————-
وهذه المعايير، تساعد في قياس مدى تحقيق العدالة الدستورية، ونوجزها في الآتي:
(1) الشرعية: الالتزام بالنصوص الدستورية وقواعد القوانين العليا.
(2) المساواة: حماية جميع المواطنين، بلا تمييز أمام القوانين الدستورية.
(3) الشفافية: بأن تكون الأحكام والقرارات الدستورية، واضحة ومعلنة.
(4) الإنصاف: بتطبيق المبادئ الدستورية، بشكل يحمي الحقوق دون تحيّز.
(5) الفعالية: أي مدى قدرة القضاء الدستوري، على فرض تطبيق المبادئ الدستورية عملياً.
3. المبادئ الأساسية للعدالة الدستورية:
———————-
(1) مبدأ سيادة القانون: بأن يكون كل تصرف دستوري وفق الدستور.
(2) مبدأ المساواة وعدم التمييز: بحماية جميع المواطنين دون تفضيل أو تمييز، والتأكيد على المساواة أمام القانون، وأمام المحاكم الدستورية.
(3) مبدأ ضمان الحقوق والحريات الأساسية: مثل، الحق في المحاكمة العادلة، وحرية التعبير، والحق في الملكية، وأن العدالة الدستورية تعزز الرقابة على أي إجراءات أو قوانين قد تقيد هذه الحقوق.
(4) مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين: بأن أي قانون أو لائحة، تخالف الدستور، يمكن الطعن فيها أمام المحكمة الدستورية. وعلاوة على ذلك، الرقابة القضائية على ضمان عدم تجاوز السلطة التشريعية أو التنفيذية للصلاحيات الدستورية.
(5) مبدأ الشفافية والموضوعية: بأن الاحكام والقرارات الدستورية، يجب أن تكون مبررة وموثقة، واحترام مبادئ العلانية والشفافية في إجراءات القضاء الدستوري.
(ثانياً) معايير وأسس التحكيم:
———————
معناها ومقصودها؛ العدالة التحكيمية فرع من فروع العدالة القضائية، مرتبط بتسوية النزاعات الخاصة خارج القضاء العام (قضاء خاص أهلي، توافقي تعاقدي، بديل للقضاء التقليدي المؤسسي)، وغالباً يكون بين أطراف تجارية أو مدنية. ومقصودها؛ تحقيق الإنصاف والعدل بين الأطراف وفقاً للقانون والاتفاقيات التعاقدية على التحكيم، مع مرونة أكبر مقارنة بالقضاء التقليدي. ومفهومها؛ الخصوصية والسرية، بأن النزاع يُحل في بيئة خاصة، بعيداً عن التدخل الحكومي أو الإعلامي. والحرية التعاقدية، أن الأطراف تختار الحكم الذي يلتزمون به. والفعالية والمرونة، أن التحكيم أسرع من القضاء التقليدي، ويمكن تصميمه وفق طبيعة النزاع، من خلال عقد مشارطة التحكيم. والإنصاف والإيجابية، أن التحكيم لا يقتصر على النصوص القانونية فقط، بل يأخذ في الاعتبار المساواة بين الأطراف ومبادئ العدالة الموضوعية، لا الاجرائية والشكلية فقط. ومثال له، نزاع تجاري بين شركتين دوليتين، يُحلّ عن طريق هيئة تحكيم دولية، بدلاً من المحاكم الوطنية.
فالتحكيم، آلية خاصة لتسوية النزاعات خارج المحاكم الرسمية المؤسسية للسلطة القضائية، ويستند إلى أسس ومعايير ومبادئ العدالة، لضمان نزاهته. ونشير لها تفصيلاً، وبايجاز في الآتي:
1. أسس العدالة التحكيمية:
———————-
التحكيم يقوم على أسس، تضمن نزاهة وفعالية تسوية النزاعات، خارج القضاء التقليدي، وأهمها الآتي:
(1) اتفاق الأطراف: التحكيم يستند إلى العقد والرضا المتبادل للأطراف (عقد إلتزام أو الوفاء بآداء لحق، مكتوب ينص على التحكيم عند نشوء نزاع أو خلاف. وعقد مشارطة التحكيم، يحدد القانون الموضوعي والاجرائي الواجب التطبيق، والمسائل والإجراءات الخاصة بالتحكيم).
(2) الخصوصية والسرية: أن إجراءات التحكيم غالباً ما تكون مغلقة، للحفاظ على سرية المعلومات.
(3) استقلال المحكمين: المحكمون المكونين لهيئة التحكيم، يجب أن يكونوا محايدين، وغير متأثرين بأي طرف من أطراف التحكيم.
(4) المرونة في الإجراءات: بأنه يمكن تصميم إجراءات التحكيم(مشارطة التحكيم)، بما يتناسب مع طبيعة النزاع المطروح.
(5) الفعالية في التنفيذ: بأن الاحكام القرارات التحكيمية ملزمة على طرفي النزاع التحكيمي، ويمكن تنفيذها وفق الاتفاقيات والقوانين الدولية، بالنسبة للتحكيم المتعدي للحدود.
2. معايير العدالة التحكيمية:
———————-
(1) الإنصاف والمساواة بين الأطراف: بضمان تكافؤ الفرص، للدفاع، وتقديم الأدلة.
(2) الحياد والاستقلالية:أن المحكمون لهيئة التحكيم، محكمين غير متحيزين تجاه أي طرف من أطراف النزاع التحكيمي.
(3) الشفافية في الإجراءات: رغم السرية، يجب أن تكون عملية التحكيم واضحة للطرفين.
(4) المرونة: ملائمة الإجراءات مع طبيعة النزاع، دونما الإخلال بالحقوق الأساسية في الدستور.
(5) الالتزام بالقانون والاتفاقيات: أن الاحكام و القرارات التحكيمية، تستند إلى القانون، وتستند إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بموضوع التحكيم.
3. المبادئ الاساسية للتحكيم:
———————-
(1) مبدأ الرضا والاتفاق بين الأطراف: بأن التحكيم، يجب أن يكون قائماً على اختيار الأطراف ، بأن لا يُفرض عليهم.
(2) الحياد والاستقلالية: بأن المحكمون في هيئة التحكيم، يجب أن يكونوا مستقلين، وغير متحيزين لأي طرف، وضمان عدم تأثير المصالح الشخصية أو الضغوط الخارجية على الحكم.
(3) السرعة والمرونة: بأن إجراءات التحكيم، أقل رسمية من القضاء التقليدي المؤسسي، ولكن مع ذلك، يجب ألا تكون على حساب العدالة والمساواة بين الأطراف.
(4) حق الدفاع وتقديم الأدلة: بأن يجب لكل طرف محتكم، أن يتاح لأيهم تقديم قضيته والدفاع عن موقفه، واحترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، حتى داخل عقد التحكيم الخاص، وداخل عقد مشارطة التحكيم.
(5) القرار النهائي والملزم: بأن حكم هيئة التحكيم، يُعتبر نهائياً وملزماً لأي من أطراف التحكيم، ويمكن الطعن عليه فقط وفق شروط محددة (مثل، بطلان التحكيم، أو تجاوز المحكم للصلاحيات)
(ثالثاً) معايير وأسس العدالة القضائية:
———————-
العدالة القضائية هي المعيار الذي يقيس مدى تحقق العدالة في تطبيق القانون – نظراً فيها – من خلال المؤسسات القضائية، والعدالة القضائية، تشمل عدة عناصر رئيسية:
1. معايير العدالة القضائية:
———————-
(1) إنصاف الإجراءات: بالتأكد من أن جميع الأطراف المتداعين، يحصلون على حقهم في المشاركة والتعبير والدفاع.
(2) الحياد والاستقلال: بأن يكون القاضي أو الهيئة القضائية، محايدة ومستقلة عن أي تأثيرات ضغوط سياسية أو ضغوط مصلحية.
(3) المساواة أمام القانون: أي عدم التمييز بين الأطراف المتداعين، سواء على أساس الدين أو الجنس أو الوضع الاجتماعي أو غيره.
(4) الشفافية والإعلان: أن تكون الأحكام القضائية، واضحة، ومبررة بتحييثيات تسبيبية واضحة، ومتاحة للطرفين والمجتمع.
(5) الفعالية والتطبيق: بتنفيذ الأحكام القضائية، بطريقة عادلة وفعّالة.
فالعدالة القضائية هي المعيار العام الذي يحدد، ما إذا كان القضاء المؤسسي الرسمي، يحقق الغاية الأساسية في الدستور والقانون، مثل، حماية الحقوق، وفرض القانون، وضمان الانصاف.
2. اسس العدالة القضائية:
———————-
(1) الاستقلالية: استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستقلال القاضي في إصدار حكمه دون ضغط أو تأثير.
(2) الحياد: أن يكون القاضي أو الهيئة القضائية المختصة بنظر النزاع التحكيمي، غير متحيزة لأي طرف، والنظر في النزاع بموضوعية مجردة.
(3) المساواة أمام القانون: جميع الأفراد متساوون أمام القضاء، بلا تمييز بسبب الجنس أو الدين أو العرق أو الوضع الاجتماعي.
(4) حق الدفاع: بتمكين كل طرف من عرض حججه وأدلته، وتوفير ضمانات المحامي، والاستماع إلى الشهود، وحق الرد.
(5) علانية الجلسات: الأصل أن تكون المحاكمة علنية وشفافة، إلا في الحالات الاستثنائية، لدواعي واسباب الأمن القومي والنظام العام.
(6) التقيد بالقانون: الحكم والقرارات القضائية، يجب أن يستند إلى القانون المطبق، لا إلى أهواء القاضي.
(7) تسبيب الأحكام: وجوب أن تكون الأحكام والقرارات القضائية، مبررة ومعللة بشكل واضح، ليحمي المتداعين في النزاع، من التعسف، ويتيح الطعن عند الحاجة.
(8) إمكانية الطعن والمراجعة: إتاحة طرق قانونية للطعن في الأحكام والقرارات القضائية، سواء بطريق الاستئناف والنقض والمراجعة.
(9) ضمانة تصحيح أخطاء القلم: بتصحيح الاخطاء اللغوية والارقام الكتابية، لتحقيق العدالة النهائية.
(10) السرعة والفعالية: بمعالجة القضايا ضمن زمن معقول (العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة).
(11) ضمان التنفيذ للحكم القضائي: لا قيمة للحكم إذا لم يُنفذ، لأن العدالة تتحقق فعلياً عند تنفيذ الاحكام والقرارات القضائية.
3. المبادئ الاساسية للعدالة القضائية:
———————-
المبادئ الأساسية للعدالة القضائية، تمثل الإطار العام الذي يضمن أن القضاء الرسمي المؤسسي، يؤدي دوره بشكل منصف ونزيه وفعال. وهذه المبادئ، مستمدة من الفلسفة القانونية، ومن حقوق الإنسان، وتطبق في المحاكم التقليدية والتحكيمية والدستورية. وأهم المبادئ الأساسية للعدالة القضائية، المبادئ الآتي:
(1) مبدأ استقلال القضاء: والمعنى، أن يكون القاضي أو هيئة التحكيم، مستقلة عن أي تأثير خارجي، سواء سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. والأهمية، أنه يضمن اتخاذ الأحكام والقرارات القضائية، على أساس القانون والوقائع فقط، بعيداً عن أي ضغوط.
(2) مبدأ الحياد: والمعنى، عدم انحياز القاضي لأي طرف في النزاع. والأهمية، حماية الأطراف المتداعين من التمييز، وضمان تكافؤ الفرص أمام القضاء.
(3) مبدأ المساواة أمام القانون: والمعنى، تطبيق القانون على جميع الأشخاص، دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي. والأهمية، يعزز ثقة المجتمع في القضاء، ويحقق العدالة الموضوعية.
(4) مبدأ الحق في الدفاع: والمعنى، لكل طرف الحق في تقديم دفوعه، وإحضار الشهود، واستشارة محاميه. والأهمية، يحقق الإنصاف، ويضمن أن القرار النهائي مبني على سماع جميع الأطراف.
(5) مبدأ الشفافية والإعلان: المعنى، أن تكون الإجراءات واضحة، والحكم مبرراً بتحييثيات تسبيبية واضحة، وقابلًا للفهم من الأطراف المتداعين والمجتمع. والأهمية، يعزز الثقة في النظام القضائي، ويحدّ من القرارات التعسفية.
(6) مبدأ القانونية: المعنى، أن تكون جميع الأحكام والإجراءات القضائية، مستندة إلى القانون المعمول به. والأهمية، يحمي الأطراف المتداعين من أي قرار شخصي أو غير قانوني.
(7) مبدأ السرعة والفعالية: المعنى، معالجة القضايا ضمن إطار زمني معقول، ودون تأخير مفرط. والأهمية، منع تراكم القضايا، وضمان أن العدالة لا تتحول إلى ظلم بسبب التأخير.
(8) مبدأ إمكانية الطعن والمراجعة: المعنى، حق الأطراف المتداعين في الطعن في الاحكام والقرارات القضائية، أو طلب مراجعة الحكم القضائي. والأهمية، يمثل آلية لتصحيح الأخطاء القضائية، وآلية لضمان الوصول للعدالة النهائية.
فهذه المبادئ بالجملة، تشكل الركائز الأساسية للعدالة القضائية، سواء في القضاء التقليدي، أو التحكيم، أو العدالة الدستورية. وتعمل على تحقيق الإنصاف والمساواة والشفافية وحماية الحقوق والحريات – الحقوق والحريات العامة والحقوق والحريات الشخصية – المنصوص عليها في الدستور (الوثيقة الدستورية).
وعلى العموم، العدالة الدستورية تؤطر النظام القانوني العام للحقوق والحريات، بينما التحكيم يحقق العدالة بين أطراف نزاع محدد. وكلاهما، يعتمد على مبادئ العدالة الأساسية، المساواة وحق الدفاع والحياد وحماية الحقوق. وأن التحكيم امتداد للعدالة القضائية في مجال خاص، لكنه لا يناقض مبادئ العدالة الدستورية العامة. وبالنظر إلى القضاء، هنلك علاقة وطيدة بين العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية، أن القضاء الدستوري هو الجهة المكلفة بحماية الدستور، وضمان أن جميع القوانين والإجراءات الحكومية متوافقة مع الدستور. وبذلك العدالة القضائية في العدالة الدستورية، تعني أن القاضي الدستوري، يتخذ قراراته وفق القانون والدستور، وليس وفق هوى أو ضغط سياسي. وبالنظر إلى العدالة القضائية، العلاقة بين العدالة القضائية والعدالة التحكيمية، أن القضاء العادي المؤسسي، لأسباب موضوعية، قد يلجأ المحتكمين للقضاء لتشكيل هيئة التحكيم. وتنفيذ أحكام التحكيم، حيثما صار وأصبح الحكم التحكيمي نهائياً وملزماً للأطراف المحتكمين، ونال حجية الامر المقضي فيه. وأن العدالة التحكيمية خاضعة للرقابة القضائية في حالات معينة، مثل، البطلان أو تجاوز الصلاحيات. وأن للقضاء العادي اختصاص وسلطة التحقق من مشروعية إجراءات التحكيم، ولكن دون إعادة النظر في جوهر النزاع، حفاظًاً على استقلالية التحكيم.
فالعدالة القضائية في هذا السياق، تعني ضمان احترام حقوق الأطراف المحتكمين، والحياد، وحق الشفافية في العلانية، وتمكين الاطراف المحتكمين من الاطلاع على المستندات، وحق المحتكمين الطعن في الحالات المحددة التي يقررها القانون، دونما الانتقاص من حق التقاضي المنصوص عليه في الدستور (الوثيقة الدستورية). وبذلك، القضاء العادي المؤسسي الرسمي، هو الحلقة الوسطى بين العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية، فهو الذي ينفذ ويحقق أحكام التحكيم وفق القانون، ويضمن عدم مخالفة احكام وقرارات هيئات التحكيم لأي نص دستوري أو قانوني. وأن كلُّ من العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية، يعتمد على مبادئ العدالة القضائية الأساسية مثل، المساواة وحق الدفاع والشفافية، واستقلالية السلطة القضائية، المنصوص عليها في وثيقة العهد الدولي 1966م المصادق عليه في السودان قانون وطني 1969م، ومبادئ حقوق الانسان 1948م، والاتفاقية الاوروبية 1950م، وحقوق الانسان الافريقي 1981م، والميثاق العربي لحقوق الانسان 1994م. والاتفاقيات الدولية للتحكيم التجاري والاقتصادي، اتفاقية نيويورك لعام 1958م، وانضمت إليها أكثر من 150 دولة، منها معظم الدول العربية – New York Convention on the Recognition and Enforcement of Foreign Arbitral Awards، وتُعد حجر الأساس في الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية. واتفاقية واشنطن لعام 1956م الـ ICSID- Convention on the Settlement of Investment Disputes between States and Nationals of Other States، وتُنظم تسوية منازعات الاستثمار بين الدول والمستثمرين الأجانب، وتشرف عليها مؤسسة ICSID التابعة للبنك الدولي. واتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري الدولي 1987م، وأُقرت من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وتُعنى بالتحكيم بين الدول العربية ومواطنيها في منازعات الاستثمار والتجارة. واتفاقية الرياض للتعاون القضائي 1983م، وتشمل التعاون القضائي بين الدول العربية، بما في ذلك تنفيذ الأحكام والتحكيم. واتفاقية تنفيذ الأحكام بين الدول العربية 1945م، فهي تُعزز التعاون القضائي والتحكيمي بين الدول العربية في تنفيذ الأحكام. واتفاقيات تسوية المنازعات الرياضية – ميثاق محكمة التحكيم الرياضية الـ CAS – Court of Arbitration for Sport، المرجع الدولي الأعلى لتسوية المنازعات الرياضية، وتستند إلى قواعد التحكيم الخاصة بها، وتُطبق على النزاعات بين الرياضيين والاتحادات واللجان الأولمبية. والقواعد النموذجية للجنة الأولمبية الدولية الـ IOC، تُلزم الاتحادات الرياضية الدولية بإحالة النزاعات إلى الـ CAS، وتُدرج شرط التحكيم في لوائحها. واتفاقيات الـ WADA الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات، وتشمل آليات التحكيم في قضايا المنشطات، وتُحال غالباً إلى الـ CAS. وحيث التحليل التشريعي أوضح أن أسس ومعايير ومبادئ العدالة الدستورية والعدالة القضائية والعدالة التحكيمية، أسس ومعايير ومبادئ عالمية كونية. وبما أن التحليل التشريعي لأحكام نصوص الوثيقة الدستورية والقانون، كشف أن الوضع في السودان، يعاني من إشكاليات وفراغات تشريعية عميقة، ولها تأثيرات مباشرة على تطبيق العدالة الدستورية والعدالة التحكيمية في السودان المقرر في الدستور والقانون، وتهدر وتنقص من قيم العدالة، وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
02 اكتوبر 2025م


