مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (6)  

 

(سَجَاح)

هي سجاح بنتُ الحارث بنت سويد، التميمية سَجَاح (بفتح السين وفتح الجيم) معظمكم سمع بهذا الاسم على الأرجح. هي مدعيةُ النبوة!! سألني يوسف: هل سجاح هذه قبل أم بعد مسيلمةَ الكذاب مدعي النبوة الشهير؟ قلت له: ليس في عهده فحسب، وإنما تزوجها. قال يوسف: كيف ذلك؟ إشرح.. قلت له: إصبر ولا تستعجل سوف تعرف كل شيءٍ من خلال قصتها

بعد وفاةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، تولى أبوبكر الصديق الخلافةَ، فوردت إليه- رضي الله عنه- الأخبارُ من كافة أرجاء الجزيرة العربية بارتداد كثيرٍ من القبائل العربية، ومن القبائل التي أرتدت، قبيلةُ بني حنيفة بقيادة مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوةَ، وكذلك قبيلة بني تميم (قوم سجاح) إلا أن بني تميم كانت قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت عليهم سجاح ومعها من تحالف معها والتف حولها، ومعها جنود. وكانت قد عزمت على غزو أبي بكر الصديق، فدعت قومَها إلى أمرها، فاستجاب لها عامتُهم، وتخلف آخرون عنها، وبما أنهم اختلفوا- وحتى لا يحدث بينهم قتال- فقد اصطلحوا على ألا حربَ بينهم، ثم اتفق الجميعُ على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم سجاح: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب، ثم إنهم تعاهدوا على نصرها..

قال يوسف: افهم من ذلك ان سجاح قررت أن تغزو اليمامةَ، حيث مسيلمةُ الكذاب وقبيلته بني حنيفة؟ قلت: نعم يبدو أن في الأمرِ منافسةً على النبوة

تحركت سجاحُ بجنودها نحو اليمامة، حيث مسيلمة الكذاب وقومُه، ولكن جنودها خافوا من قوة مسيلمة وقالوا لها: إن أمره كَبُر وعَظُم ولا طاقة لنا به، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة، دفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا تلحقكم بعدها ملامة… ضحك يوسف وقال: من قال لها إنَّ الأنبياءَ يسجعون في الكلام؟ واصلتُ حديثي

وفي نفس الوقت كان مسيلمةُ قد خاف على بلاده، سِيَّما أنه مشغولٌ بمعاركَ أخرى، ومن هنا جاءت صفقةُ الزواج السياسي، فبعث إليها مسيلمةُ يطلب منها الأمان مقابل أن يُعطيَها نصفَ الأرض الذي كان لقريش لو عدلت عن رأيها، قال يوسف: هـــذا مثـل وعد بلفور(من لا يملك لمن لا يستحق).. لم يذكر التاريخُ وعدًا بمنح أرض قريش، ولكن سجاح ومسيلمة اتفقا في نهاية المطاف على الزواج، وكان الهدف من هذا الزواج السيطرةُ على أرض قريش، بل السيطرة على قوى سياسية ودينية أكبر في الجزيرة العربية

الزواج

راسل مسيلمةُ سَجاحًا ليجتمعَ بها في طائفةٍ من قومه، فركب إليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمةٍ، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض وقبلت ذلك، قال مسيلمة: (سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشته أخلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار). يقال إنه لما خلا بسجاح سألها ماذا يوحى إليها؟ فقالت: بل أنت ماذا أوحي إليك؟ فقال:( ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا، فقالت: أشهد أنك نبي) فقال مسيلمةُ لسجاح: هل لك أن اتزوجُك؟ وباتحاد قومي مع قومك نستطيع ان نأكل العرب!! فوافقت سجاح وقالت: قبلت، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها وعلموا بزواجها من مسيلمة فسألوها: ما هو صَدَاقُك؟ فقالت: لم يكن بيننا صداق. فقالوا: إنه قبيحٌ على مثلك أن تتزوجَ بغير مهر، فبعثت اليه تسأله صداقًا، فقال لها أرسلي إلي مرسال من طرفك، وعندما جاءه المرسال، قال له: نادِ في قومِك أن مسيلمةَ بنَ حبيبٍ، رسولَ الله، قد رفع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد، يعني صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة. فكان هذا صداقها عليه، لعنهما الله. قال يوسف ، كان مهرها ان عفى مسيلمة قومها من صلاة الفجر وصلاة العشاء؟ قلت نعم ،ثم سألني وماذا فعل الله بالعروسين سجاح ومسيلمة،؟ ؟ قلت: عندما علمت سجاح بقدوم خالد بن الوليد إلى أرض اليمامة، رجعت إلى قومها في الجزيرة الفراتية، وأقامت فيهم إلى زمان معاوية وعاشت بعدها زمنا، ، فتزوجت رجلا من قومها، وأنجبت له ثلاثة أبناء.. وأُشير إلى أنها اسلمت بعد مقتل مسيلمة وإسلامَها كان حسنًا. توفيت سجاح في خلافة معاوية بن أبي سفيان وصلى عليها سمرة بن جندب والي البصرة

قلت ليوسف ما رأيك نتسلى ببعض الشي من قصص المتنبئين ؟ قال هات ما عندك:

كانت امرأة تنبأت في عهد الخليفة العباسي المتوكل ،سألها الخليفة، هل أنت نبية؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بمحمد؟ قالت: نعم، قال: فإنه صلى الله عليه وسلم قال: لا نبي بعدي، قالت: ولكنه لم يقل لا نبية بعدي فضحك المتوكل وأطلقها.

وتنبأ آخر في زمن المأمون، فقال المأمون: أريد منك بطيخا في هذه الساعة، قال: أمهلني ثلاثة أيام، قال ما أريده إلا الساعة، قال: ما أنصفتني يا أمير المؤمنين إذا كان الله تعالى الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ما يخرجه إلا في ثلاثة أشهر، فما تصبر أنت علي ثلاثة أيام، فضحك منه واكرمه

يوسف يا أيها الصديق ما الفوائد التي جنيتها من قصص مدعين النبوة؟ قال يوسف فوائد كثيرة وعجيبة، كيف يجد هؤلاء من يتبعهم؟ هذا دليل على أن عقل الانسان يمكن ان ينزل به إلى مرتبة الحيوان، قلت له: البقرة وجدت من يعبدها، هذه هي طبيعة البشر، ولكن لا تنسى أيضا من الممكن ان يرتقي بك عقلك الى مرتبة الملائكة ،ولكن قل لي ما الفوائد الأخرى؟ قال علمت ان القتال واجب من أجل استعادة الوحدة، وهذه هي سياسة أبي بكر الصديق تجاه المرتدين كانت حازمة وقائمة على مبدأ القتال لاستعادة الوحدة والتمسك بتعاليم الإسلام

فائدة أخيرة، ارتداد القبائل ورجوعهم يدل على ان للناس حدودًا في التضامن مع الغير، فلا تعول على الناس كثيرا. قلت له: أنا لفت نظري شيءٌ، وهو خوفُ جنودِ سجاح من قوم مسيلمة، وفي نفس الوقت خوف مسيلمةُ من مواجهةَ سجاح، هذا يعنى أنه يجب أن تعرف دائمًا أن لعدوك نقطةَ ضعف، كما يجب ألا تُظهرَ نقطةَ ضعفِك لعدوِّك

وإلى لقاءٍ قادمٍ، إن كان في العمر بقية، فابقوا معنا يوسف وأنا

والله أعلى وأعلم

21 أكتوبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى