أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (7)

(سعيد بن زيد)
قال يوسفُ: لا أعرفه، سالته: هل تعرف العشرةَ المبشرين بالجنة؟ قال: نعم أعرفهم، اللهم اجعلنا منهم، قلت: كيف يجعلك منهم؟ إنها عشرةُ مقاعد حجزها رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- لعشرةِ اشخاص بأسمائهم، فكيف تكون منهم؟ قال يوسفُ: خلاص لا تُدقق، أقول لك من هم العشرة المبشرين بالجنة: هم الخلفاءُ الراشدون الأربعة، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ثم طلحةُ بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح.. قلت له: هؤلاء تسعة، فمن العاشر؟ قال: نسيته! قلت له: العاشر هو سعيدٌ بنُ زيدٍ بن عمرو بن نفيل الصحابي الجليل رضي الله عنه. قال يوسف: سبحان المعبود!! كأنني أول مرة اسمع به.. قلت له: لستَ وحدك، كثيرٌ من المسلمين لا يعرفون سيرته، لأنه- حسب المصطلح الحديث- كان يتجنب الأضواء. سألني يوسف: ولكن ماهي فضائلُه حتى يكون من المبشرين بالجنة رضي الله عنه؟ قلت: كان من السبَّاقين للإسلام، وكان من أشد المدافعين عنه، أسلم قبلَ أن يدخلَ النبيُ- صلى الله عليه وسلم- دارَ الأرقم بن أبي الأرقم. قال يوسف: هذا لا يكفي، زدني. قلت: وشهد المشاهدَ كلَها، إلا أنّه في غزوة بدر، كان قد أرسله رسولُ الله- صلى الله عليه وآلة وسلم- في مهمةٍ استطلاعيةٍ عن الأعداء، فرجع منها بعد انتهاء الغزوة، فأحزنه ذلك أنه لم يشترك في هذه الغزوة الأولى مع رسول الله، لكن رسولَ الله طيَّب خاطره وضرب له بسهمه في الغزوة كمن اشترك فيها، فسأل سعيدٌ النبيَّ: وأجري؟ قال: “وَأَجْرُكَ”.. لذلك أُعتبرَ في عداد البدريين، رغمأأنه لم يشترك فيها. وشهد اليرموك وحصارَ دمشق وفتحَها. قال يوسفُ: زدني. قلتُ: كان سعيدٌ قائدَ سلاحِ الفرسان، وهو الذي أشار على خالد بن الوليد ببدء القتال في معركة أجنادين. قلت: كان سعيدٌ سببًا في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأسلم في بيته، ألا يكفي كل هذا؟ قال يوسف: حسبُك يكفي، ولكن كيف أسلم عمر بن الخطاب في بيته؟ قلت: كان سعيدٌ وزوجتُه فاطمة بنت الخطاب- شقيقة عمر- سببًا في إسلام عمر بن الخطاب، حيث كان عمرٌ في بداية الأمر شديدَ العداء للإسلام، وكان يُريدُ أن يقتل النبي. فعندما خرج عمر بن الخطاب- قبل إسلامه- يحمل سيفَه يريد قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- لقيَه بعضُ كفارِ قريش وأخبروه أنّ أخته وزوجَها صارا مسلمين، أتاهما، فوجد خباب بن الأرت عندهما يتلو آياتٍ من سورة طه، فلما سألهما عن إسلامهما، وقف له سعيد بن زيد– رضي الله عنه- مدافعًا عن الحق الذي جاء به الإسلام، فضربه عمر ضربا شديدا، فلحقت به فاطمةُ ودفعته عن زوجها، فلطمها على وجهها حتى سال الدمُ منها، فغضبت وأعلنت أمامه أمر إسلامها ناطقةً بالشهادتين قال يوسف: سبحان المعبود!! إن قصةَ إسلام عمر بن الخطاب في بيت اخته معروفةٌ، سمعنا بفاطمة وبالخباب ولكننا لم نسع بزوجها سعيد بن زيد احد المبشرين بالجنة. قلت: إنَّ مناقبَه- رضي الله عنه- كثيرةٌ، منها: أنَّ النبيَّ ﷺ أخبر بأنه من الشهداء. وفي هذا فضيلةٌ عظيمةٌ لسعيدٍ بن زيد، حيث شهد له النبيُّ بالشهادة فإن مات على فراشه، هو شهيد لخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. قلت ليوسف: هل أزيدُك؟ قال لا بأس!! قلت: كان سعيدٌ بن زيد مُجابَ الدعوة، ولأنني أعرف أنك تُحبُ القَصَصَ، سوف أحكي لك قصتَه مع المرأةِ التي اتهمته زورًا فدعى عليها وكان دعاؤه هذا من عجائبِ الدعاء.
زعمت أروى بنتُ أويس أن الصحابيَّ المبشرَ بالجنةِ سعيد بن زيد- رضي الله عنه- قد غصب شيئًا من أرضها، وضمَّها إلى أرضه، فجعلت تلوكُ ذلك بين المسلمين وتتحدث به، ثم رفعت أمرَها إلى مروان بن الحكم وإلى المدينة، فأرسل إليه مروان أناسًا يكلمونه في ذلك، فصَعُب الأمرُ على سعيد، فقال: يرونني أظلمها! كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «من ظلم شبرًا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبعة أرضين»؟ اللهم إنها زعمت أني ظلمتها، فإن كانت كاذبةً فأعمِ بصرها، وألقها في بئرها الذي تنازعني فيه، وأظهر من حقي نورًا يبين للمسلمين أني لم أظلمها، فلم يمضِ على ذلك غيرُ قليلٍ، حتى سال العقيقُ بسيلٍ لم يسل مثله قط. فكشف عن الحد الذي كانا يختلفان فيه، وأظهر للمسلمين أن سعيدًا كان صادقًا، ولم تلبث المرأة بعد ذلك إلا شهرًا حتى عميت، وبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها فماتت. إنتهت القصة.
ظلَّ سعيدٌ- رضي الله عنه- تحت إمرة الخلفاء الراشدين ولم يشترك في أى فتنةٍ ضدهم حتى استشهد سيدُنا عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، فبايعَ بعد علي ولده الحسن- عليهما السلام- ثم معاويةَ رضيَ الله عنه..
هو أبو الأعور، سعيدٌ بنُ زيدٍ بن عمرو بن نفيل بن عبد. كانت ولادتُه قبل البعثة النبوية ببضع عشرة سنة. أما والده، عمرو بن نُفيل العدوي القرشي، مؤمنٌ حنيفي، أحد أشهر الموحدين في الجاهلية.
*وفاته:*
فاضت روحُه الطاهرة سنة 51 من الهجرة في خلافة معاوية، ودُفن بالمدينة المنورة مع أصحاب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وكان قد غسَّلَه عبدُ الله بن عمر رضي الله عنه ودفنه ونزل قبره، هو و سعد بن أبى وقاص رضي الله عنهما، وحزن أهلُ المدينةِ عليه حزنًا شديدًا، إذ كان أحدَ العشرةِ المبشرين بالجنة..
قلت ليوسف: ماذا تعلمتَ من سيرة هذا الصحابي الجليل؟ قال: تعلمتُ فن القيادةِ من أعظم قائدٍ- صلى الله عليه سلم- كيف يكافئ اتباعَه بما يستحقون، لأنَّ سعيدًا كان من أوائلِ المسلمين، ولأنه كان سببًا في إسلام عمربن الخطاب، ولأنه كان مقاتلًا مخلصًا شجاعًا، كل هذه المآثر راقبها القائدُ، وجعل لها مكافأةً تُسْتَحَق، ضمن له مقعدًا في الجنةِ، واعتبره بدريًا رغم عدم مشاركته في القتال.. تعلمتُ فضلَ التواضع، ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله، فهو من بيتٍ من بيوتِ قريش المعروفة بيت( عدي) وابن عم عمر بن الخطاب، ولكن كان دائمًا الأحب إليه ان يكونَ من عامة الناس، حتى في الحروب، لم يكن قائدًا يومًا ما، مع أنّه مؤهلٌ لذلك. ثم سألني يوسف: ماذا استفدتَ أنت؟ قلتُ: لفت نظري الأبُ عندما يكون قدوةً، كيف يؤثرُ ذلك على الأبناء. سعيدُ بن زيد هو ابن عمرو بن نفيل العدوي القرشي مؤمن حنيفي، أحد أشهر الموحدين في الجاهلية، لذلك كان ابنه سعيد من المسلمين الأوائل.
هذا هو سعيدٌ بنُ زيدٍ الصحابيُ الجليل، الذي لم تسمعْ به- على الأرجح- ولكن ذلك لن يُنقصه شيئًا، فيكفي أنه معروفٌ لأهلِ السماء..
وحتى نلتقيَ مع رجالٍ ونساءٍ لم تسمعْ بهم- على الأرجح- فابقوا معنا، يوسف وأنا..
والله أعلى وأعلم..
28 أكتوبر 2025م


