أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد  يكتب تدبُر القرآن الكريم

 

جاءني يوسفُ يحمل مصحفًا واثق الخطوة يمشي ملكًا، فقد كنتُ في آخر لقاءٍ لنا- قبل أسبوع- قد نصحته بتدبر القرءان. قلت له: هل وجدتَ نصًا في القرءان يمنعُ التدبرَ فيه، ويمنع الاجتهاد؟ قال: بل وجدتُ آياتٍ تحث على التفقهِ والتدبر، مثل قوله تعالى: “وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ”. قلت له: لا يعني هذا أن أي شخص يمكنه الاجتهاد بحرية. يجب أن تتوفر في المجتهد شروطٌ معينة، مثل الأهلية، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية، والإحاطة بمدارك الشرع، ولا يجوز أن يتعارضَ الإجتهادُ مع نصٍ قرآني صريح وثابت، فالاجتهادُ ليس مطلقًا، في جملة من الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار) قال يوسف: نعم أعرف أنه لا بد من ضوابطَ وشروطٍ، لكني أقصد أنه ليس محظورًا على البعض ومسموحًا للبعض، فهو ميّسَرْ لمن أخلص النيةَ بغرض العلم والمنفعة وأجتهد في ذلك. وكما تفضلت انت بذكر الاية 69 في سورة العنكبوت (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) قلت له: بعد أن ذاب الجليدُ بينك وبين المصحف ماذا تعلمت؟ قال: عرفت الفرقَ بين نزل وأُنْزلَ، وعرفتُ أنَّه نَزَلَ مُنَجَّمٌ (مفرق) ولماذا نزل مُفَرَّق، وعرفت أن (القرآن وحي والسنة وحي) فما الفرق بينهما؟ وقبل كل ذلك عرفتُ ما معنى قرآن ومن أين جاء هذا الاسم؟ قلت له: ما شاء الله تبارك الله ،صرتَ عالمًا في أسبوع واحد، قال لي: لا تسخر، أما سمعت قولَ الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) قلت: بلى سمعنا وانتهينا، ثم طلبتُ منه ان يشرحَ ويوضح ما عرفه من علوم القرآن. قال: هل نختبرني؟ قلت له: ليس اختبارًا، ولكن من باب التبليغ. قال نبدأ بأول شيء الفرق بين نزل وأُنزل: القرآنُ نزل و أنزل معاً، حيث أنزل دفعةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل منجمًا ومفرقًا على قلب النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- على مدار ثلاث وعشرين سنة، قلت ليوسف: ولماذا نزل منجما (مفرقا؟) قال: سؤالك هذا قد سأله قبلك كفارُ قريش: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) الفرقان 32.. قلت له: (ده شغل بالبارد) قال لي: البادي أظلم.. نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مجزءًا، حسب الوقائع والأحداث. هنا سألته: هل كان يُنَزَّل عند حدوث سببٍ مثلا؟ قال: لا، الأمرُ ليس كذلك. ولكن ينقسم القرآنُ من حيث النزول إلى قسمين: إبتدائي وسببِي، أما الابتدائي، فهو ما نزل ابتداءً دون سببٍ من واقعةٍ أو حدث، وهذا هو الغالب، فمعظم القرآن نزل ابتداءً. وأما السبب، فهو ما نزل لسببٍ بيانًا لحكمِ واقعةٍ حدثت، أو جوابًا لسؤال أو أسئلة طُرحت، أو رَدًّا على شبهةٍ أُلقيت. قلت له: لحظة من فضلك، ما حكم الآيات التي نزلت بسبب، هل يُعطل العملُ بها لزوال السبب؟ قال يوسف: يقول العلماءُ إن العبرةَ في القرآن بعموم اللفظ. لا بخصوص السبب، قلت: سبحان المعبود! لكن ما الحكمةُ في نزولِ القرآن مفرقاً؟

قال يوسُفُ: هناك أربعُ حكم في نزول القران على الرسول صلى الله عليه وسلم مفرقا:

الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم،

الحكمة الثانية: التحدي والاعجاز، المشركون تمادوا في غيهم وكانوا يسألون الرسولَ أسئلةَ تعجيز وتحدي، يمتحنون فيها الرسول.

الحكمة الثالثة: تيسير حفظه وفهمه.

الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والتدرج مع التشريع.

قلت: طيب يا شيخ يوسف!!! قال لي: إسأل بدون ألقاب. قلت له: طيب يا يوسف، القرآن وحيٌ والسنةُ وحي، ما الفرق بين السنة والقران؟ أجاب قائلا: يقول العلماء إنَّ الفارقَ بين القرآن الكريم والسنة النبوية هو أن القرآنَ كلامُ الله، نزل بلفظه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أما السنةُ فقد لا تكون من كلامه تعالى، بل من وحيه فقط، ثم لا يلزم أن تأتيَ بلفظها، بل بالمعنى والمضمون، قلت: ما الفرقُ بين (كلام الله والوحي؟) قال يوسف: الفرق الجوهري هو أنَّ كلامَ الله هو المعنى الأعم والأشمل، بينما الوحي هو أحد أساليب وصول كلام الله إلى البشر، سواء كان ذلك بلفظه ومعناه كـ(القرآن) أو بمعناه فقط كـ(الحديث القدسي). الوحيُ هو الإعلام السريع والخفي، وقد يكون بلفظه ومعناه أو بمعناه فقط، هل فهمت؟ قلت: إلى حدٍ ما، وسوف أُعيد قراءةَ الشرح مرات أخرى. بقيَ لنا أن نعرفَ معنى كلمة قرآن، ومن أين جاءَ إسمُ القران، قال: نعم، جاء من قرأ، التي تعني جمعَ الشيء وضمه، والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والقرآن- في الأصل- كالقراءة مصدر قرأ قراءة وقرآنا. قال تعالى: (إنا علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه)

قلت له: ماشاء الله تبارك الله، كل هذا العلم في أسبوعٍ واحد؟ لعلَّ اللهَ فتح عليك وقذف في قلبك من نوره، قال: آآآمين، ثم قال: الحمد لله أن القرانَ نزل عربيًا، ثم سألني: ولكن قل لي، لماذا نزل القران عربيًا؟ قلت له: وهل هذا سؤال حقيقي أم أنك تختبرني؟ قال: لا هذا ولا ذاك ولكنه سؤال تقريري (السؤال التقريري لا يهدف إلى الحصول على إجابة بقدر ما يهدف إلى التأكيد والإقناع) قلت: نزل القرآنُ عربيًا إذ لا بد أن تكون لغةُ الرسالة، التي يحملها الرسول، هي لغةَ قومِه الذين يدعوهم إليها حتى تصل الرسالة، وقد أكد القرآنُ الكريم هذه القاعدة في قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة إبراهيم اية 4 وجاء القرآنُ عربيًا لأن اللهَ تعالى نزّله على النبي العربي محمد، صلى الله عليه وسلم، قال: الآن تأكدت.. قلت له: بعد ان قرأت وتمعنت وتدبرت في المصحف ما هو انطباعك؟ قال الأمر ممتع وسهل ويشرح الصدر، قلت له: واظب، وسوف تتفتح لك علوم القرآن، وتعرف الناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر في القرآن، وأسباب النزول، و الإعجاز بجميع أنواعه، واللمسات البيانية وتستمع بقصص القرآن الكريم، وتتعالج بآيات الشفاء وتتحصن بآيات التحصين، وتُرزق الأموالَ والبنين بآيات الرزق وتتعلم ثقافةَ الحوار من القرآن. قال: آمين يا رب العالمين، ثم سألني يوسف: هل أنت كذلك؟ قلت له: أنت من يجاوب على هذا السؤال، قال: أنت أحيانًا كذلك!! قلت: إنها الغفلة، قلنا معًا: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم.. ثم سألني يوسفُ: هل لديك سؤال؟ قلت له: مؤهلًا يا أخي، فأنت لم تبلغ هذه الدرجة بعدُ، فلا تستعجل..

والله أعلى وأعلم..

عثمان الشيخ الاسيد

25 نوفمير 2025

زر الذهاب إلى الأعلى