أعمدة الرأي

سودان لاتثريب عليكم ( نقد العدالة الانتقامية)  بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر 

 

 

التسامح من التاريخ إلى واقع السودان

 

في لحظة فارقة من التاريخ الإنساني، وقف يوسف عليه السلام أمام إخوته الذين ألقوه في غيابة الجبّ، وتسببوا في معاناته وفراقه لأبيه، ليقول لهم بكل سموّ: 

– *”لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”*.

 

 لم تكن هذه الكلمات مجرد عفو، بل كانت إعلانًا عن :

– انتصار الروح على الجراح،

– قوة التسامح في وجه الخيانة والخذلان. 

 

إنها لحظة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتُقدّم نموذجًا خالدًا في العفو عند المقدرة.

 

*🌍 من الجبّ إلى العرش*:

 

قصة “لا تثريب عليكم” تبدأ من عمق الألم. يوسف، الطفل المحبوب، يُلقى في البئر من قبل إخوته حسدًا وغيرة. يُباع عبدًا، ويُسجن ظلمًا، ثم يُكرّمه الله فيصبح عزيز مصر. وعندما يقف أمام إخوته الذين جاءوا يطلبون العون، لا يوبّخهم، ولا ينتقم، بل يختار أن يصفح، ويقول كلمته الخالدة التي أصبحت عنوانًا للتسامح الإنساني.

 

هذه اللحظة ليست فقط درسًا في العفو، بل هي دعوة 

– لفهم أعمق للإنسانية،

– ولإعادة تعريف القوة: 

 

فالقوي ليس من ينتقم، بل من يملك نفسه عند الغضب.

 

*🇸🇩 السودان الأزمة والفرصة*

 

في ظل الأزمة السودانية الراهنة، حيث الاحتراب الداخلي مزّق النسيج الاجتماعي، وهجّر الملايين، وأزهق الأرواح، 

 

تبدو عبارة “لا تثريب عليكم” أكثر من مجرد ذكرى دينية؛ إنها دعوة ملحّة لإعادة النظر في مفاهيمنا عن العدالة، والكرامة، والمصالحة.

 

كيف يمكن تطبيق هذا السلوك في السودان اليوم؟

 

 لا يعني العفو نسيان الجرائم أو التنازل عن الحقوق، بل يعني أن

– نُعلي من قيمة الوطن على الأحقاد، 

– نمنح أنفسنا فرصة للشفاء الجماعي. 

 

يمكن أن يكون “لا تثريب عليكم” أساسًا لحوار وطني صادق، يُبنى على الاعتراف بالخطأ، والمساءلة، ثم العفو الذي لا يُقصي أحدًا، بل يفتح الباب أمام مستقبل مشترك.

 

*🧠 التسامح كقوة داخلية*

وضرورة وجودية :

 

من منظور نفسي :

 العفو ليس ضعفًا، بل تحررًا من عبء الكراهية :

– الشخص الذي يعفو لا يُنكر الألم، بل يتجاوزه، ويختار أن لا يكون أسيرًا له. 

– التسامح يُعيد للإنسان سيطرته على ذاته، ويمنحه السلام الداخلي.

 

أما فلسفيًا : 

فـ”لا تثريب عليكم” تعني تجاوز منطق القصاص إلى منطق الرحمة. 

 

في عالم يقدّس العدالة الانتقامية، تأتي هذه العبارة لتقلب الموازين: 

– هل يمكن أن تكون الرحمة أعدل من العقوبة؟ 

– هل يمكن أن يُبنى السلام على العفو لا على المحاكمات فقط؟

 

الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قال إن

– “من لا يستطيع أن يغفر، لا يستطيع أن يحب”،

 

 بينما رأى نيلسون مانديلا 

– ان “العفو يحرر الروح ويزيل الخوف”.

 

 في الحالتين، نجد أن التسامح ليس فقط فعلًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية.

 

*✨ خاتمة: 

من الألم إلى الأمل : 

 

“لا تثريب عليكم” ليست مجرد كلمات، بل مشروع حياة.

 

 في السودان، كما في كل مكان مزّقته الحروب، نحتاج إلى هذا النموذج النبوي، لا لننسى، بل لنتجاوز. 

 

نحتاج إلى أن نُعيد تعريف النصر: ليس في سحق الخصم، بل في القدرة على احتضانه بعد أن نُعيد بناء ما تهدّم.

فهل يمكن أن يكون السودان القادم سودان “لا تثريب عليكم”؟

 الجواب يبدأ من كل فرد يختار أن يُطفئ نار الحقد، ويُشعل شمعة الرجاء فهل نحن سودانيون فعلا ام شخصيتنا مسخت مع هويتنا ..

زر الذهاب إلى الأعلى