د. نورالدائم الرشيد عبدالمحمود يكتب ما بعد مادورو

لعل البعد الجغرافي بالإضافة للفوارق الثقافية واللغوية أثرت بشكل مباشر علي علاقات عدد مقدر من الدول العربية والأفريقية بدول أمريكا اللآتينية مما أنعكس على التفاعل مع قضاياها، بالرغم من الوجود العربي القديم واللاحق في تلك الدول عبر أفواج من المهاجرين الذين إندمجو في تلك المجتمعات وقاموا بإنتاج ما عرف بأدب المهجر الذي عبر المحيطات ونقلوا معه عدد من المنتوجات الثقافية لمبدعي تلك القارة، بالإضافة للأفارقة الذين إصطحبهم المستعمر للعمل في مزارع البن حيث كان رفيق أنُسهم في ترحالهم وعزلتهم القسرية منتوجهم الغنائي الراقص الذي صار جزءً رئيسياً من الهوية الثقافية لتلك الدول. لاحقاً تولى عدد من أحفادهم مناصب قيادية ووصل بعضهم لرئاسة عدد من الدول في ذلك الجزء القصي من الكرة الأرضية، يعزى البعض كل هذا لندرة المراجع والدراسات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية والتي تتناول الطبيعة المعقدة لشكل العلاقة بين أمريكا ودول أمريكا اللآتينية التي تُعين المحليين وقادة الرأي من فهم الصورة الكاملة لخلفية ماتم بفنزويلا بدلاً من التعامل معه كحالة فردية تمت بمعزل عن الهندسة السياسية الأمريكية التي تمت لعدد مقدر من أنظمة القارة والتي قادت في نهاية المطاف لقيامها بهذة الخطوة إذ سبقتها تحركات أعطت إشارات ربما تم التوافق عليها مع الشركاء الدوليين لتدخل خشن كخيار آخير لإنهاء حالة التمرد الفنزويلي، والذي تؤكده تصريحات ترامب اللاحقة حول التعامل مع النفط كعامل رئيسي لا يمكن إغفاله في الحالة الفنزويلية. ولعل البعض لايزال يذكر التوصيف السائد في فترات تاريخية سابقة لهذة الدول بإنها تمثل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ،بدأ هذا المفهوم في التراجع مع وصول عدد من قادة أحزاب اليسار لسدة الحكم في العقد الأخير من القرن العشرين ،ولعل نقطة التحول الأساسية بدأت عندما تولى الرئيس البرازيلي الحالي لولا دا سيلفا رئاسة البرازيل لأول مرة في العام2003 بإعتباره أول رئيس يساري لأكبر دول القارة من حيث المساحة ولبلد يتمتع بتنوع في الموارد المناخ وأكبر شريك إقتصادي لأمريكا في القارة. إعتبرت الولايات المتحدة أن وصوله لسدة الحكم يعني إمتداد هذه الموجة وتوجهاتها لعموم القارة. بدأت المناورات لتكسير مجاديفه مبكراً بإثارة الشكوك لدي بعض رجال الأعمال البرازيليين المرتبطين بالولايات المتحدة حول مستقبل إستثماراتهم ودعوتهم لتصفية أعمالهم بتذكيرهم بتاريخه النضالي المستمر لحماية حقوق العمال عبر النقابات والبرلمان وترشحه لأكثر من مرة في الإنتخابات الرئاسية. لكنه فطن لذا الأمر فعمل على طمأنة رجال الأعمال إذ قام بمنحهم إمتيازات إضافية مقابل تنفيذ بعض البرامج الإجتماعية لحكومته والتي ساهمت في تغيير حياة40 مليون برازيلي بنقلهم من حالة الفقر للإنتاج ومن دولة مدينة لدولة دائنة لمؤسسات التمويل الدولية. ومن ثم توجه لإقامة عدد من التجمعات الإقليمية التي جمعت بين الدول الأفريقية والعربية ودول أمريكا اللآتينية، وصولاً لتجمع دول البريكس الذي كان يسعي من خلاله لدعم أفكاره المتعلقة ببناء نظام عالمي متعدد الأقطاب لينهي سيطرة الدولار الأمريكي علي التجارة الدولية، كل هذه التحركات لم يكن مرحباً بها من قبل الولايات المتحدة وسعت مجدداً لوضع عدد من العراقيل أمام هذا التقدم بخلق أزمات ذات طبيعة دولية كالحديث عن إدارة جماعية لإقليم الأمازون حفاظاً علي الوضع الايكولوجي خلال قمة ريودي جانيرو للمناخ2012م.وقضية التجسس علي شبكات الإتصالات والإنترنت بالبرازيل ماجعل حكومة ديلما تقوم بفصل كوابلها البحرية في العام2013م، وصولاً لتشجيع التحركات البرلمانية لسحب الثقة من الرئيسة ديلما روسيف ومحاكمة لولا وعدد من قيادات حزب العمال في قضايا فساد تم تبرئة بعضهم من قبل المحاكم وليس إنتهاءً بدعم توجهات الرئيس السابق بلسينارو والذي يشببه البعض بترامب في سياساته الشعبوية الرافضة لسياسات التنوع والإندماج التي عرفت بها البرازيل بل وسعي ترامب لدعمه في محاكمته التي تمت قبل أشهر قليلة بتلويحه بسلاح الضرائب علي الورادات البرازيلية كأداة ضغط على حكومة لولا الحالية ليتراجع عن ذلك في وقت لاحق بعد دخول البلدين في مفاوضات حول تفعيل الإتفاقيات الإقتصادية الموقعة، وشملت بجانب ذلك مقترحات لمعالجة الأزمة مع نظام فنزويلا، مثلت تصريحات الرئيس لولا لعملية إختطاف رئيس فنزويلا الموقف الأكثر وضوحاً من بين تصريحات قادة دول القارة الداعمة لسيادة فنزويلا، وأتت نقيضاً لموقف الرئيس الأرجنتيني الذي وصف العملية بأنها إنتصار لقيم الديمقراطية. ممايؤكد أن الولايات المتحدة إستخدمت سياسة النفس الطويل لتغيير خارطة الحكم بإزاحة عدد مقدر من رؤساء دول القارة ذوي التوجهات اليسارية ،وتتحدث تقارير عالمية عن دعم أمريكي لمرشحي الرئاسة في بعضها ،والعمل على خلق أزمات إقتصادية وإجتماعية وسياسية خانقة لإثبات فشل تجربة اليسار عبر الإعلام الموجه وإستخدام وسائل التواصل الإجتماعي للتأثير علي أراء الناخبين كما تم في فنزويلا وعدد من الدول الأخرى، إنكشفت هذة السياسات عقب تولى قادة أحزاب اليمين الرئاسة في بعض الدول وتبنيهم لسياسات إقتصادية فاقمت من معدلات الفقر والبطالة، مادعى مواطني إحدي الدول للخروج في حالة لجؤ جماعي رافعين شعار (تركنا لكم البلاد فابحثوا عن مواطنين لحكمهم)، الملاحظ أن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللآتينية ظلت تشهد حالات من الصراع المحتدم عند وصول الحزب الجمهوري لسدة الحكم كتجربة بوش الأب في بنما. سبق أن دعمت الولايات المتحدة في الدورة الرئاسية الأولى لترامب الإنقلاب الذي أطاح بمادورو في العام2019م والذي أعلنه الملحق العسكري الفنزويلي بواشنطون حيث أكد في تصريحاته أنه على تواصل مع قياداته العليا مؤكداً عدم إعترافه بمادورو كرئيس شرعي لفنزويلا قبل أن تتم إعادته للحكم بالإرادة الشعبية، مما يؤكد أن ترامب سعى لتغييره منذ أكثر من ست سنوات، ولعل ماتم مؤخراً هو الفصل قبل الأخير لإعادة دول تلك القارة لوضعها السابق ولتتمكن أمريكا من إنفاذ خطتها الرامية لترويض الدول التي تريد الخروج من عباءتها.فيا ترى من يكون اللاعب القادم الذي سيتم إزاحته من رقعة الشطرنج لإكمال الإطباق علي دول القارة. أم أن ماتم هو مجرد رسالة لعدد من الدول التي بدأت في بناء علاقات مع أقطاب دولية مؤثرة في إطار سعيها لبناء توازنات سياسية وإقتصادية لمواجهة النفوذ الأمريكي الذي يهدف للسيطرة على موارد الدول.


