أعمدة الرأي

ريحة البلد السودان شعب يريد أن يعيش بقلم : د سارة عبد العزيز

 

قبل فترة كتبت مقال عن أسباب الحرب في السودان وحرصت وقتها أن أبتعد عن التعقيدات السياسية قدر الإمكان وأن أقترب من السبب الأهم والأوضح

الإنسان السوداني

ذلك المواطن البسيط الصبور القنوع الذي ظل لسنوات طويلة يتعايش مع نقص أبسط مقومات الحياة

وكأن المعاناة أصبحت جزءا طبيعيا من يومه

عندما خرج كثير منا من السودان ورأينا أوضاع الشعوب الأخرى اكتشفنا حقيقة مؤلمة أن ما نفتقده في السودان ليس رفاهية بل حقوق أساسية

تعليم مجاني محترم صحة متاحة خدمات أساسية تحفظ كرامة الإنسان

دول كثيرة لا تمتلك عُشر ثروات السودان

ومع ذلك سخرت مواردها لخدمة مواطنيها بينما نحن بلد غني بالذهب بالزراعة بالأراضي الخصبة وبالثروات الضخمة

هنا كانت المفارقة الصادمةنحن لسنا أقل من غيرنا

بل ربما نملك أكثر لكن المواطن ظلّ آخر الأولويات

الحرب لم تأت من فراغ حين يشتد الظلم وحين يترك المواطن وحيدا في مواجهة الغلاء والمرض وتدهور التعليم وانعدام الخدمات يصبح الانفجار مسألة وقت

نعم، هناك أسباب سياسية معروفة للجميع تمرد صراع على السلطة ونزاعات بين قوى مسلحة لكن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير

فشل الدولة في رعاية مواطنيها

بالأمس لفت انتباهي حديث الإعلامي المصري عمرو أديب حين ضرب بالشعب السوداني مثلا في الصبر وحب الوطن تحدث عن فرحة الناس بنزول طائرة سودانير في مطار الخرطوم وكيف استقبلت بالزغاريد كأنها حدث استثنائي هذا المشهد البسيط عندهم وكبير جدا عند الشعب السوداني يلخص كل شيء

شعب يفرح بالقليل لأنه تعود أن يحرم من الكثير

الشعب السوداني لا يبحث عن صراعات سياسية

ولا يهتم بخلافات النخب

هو يريد أن يعيش فقط

أن يزرع أن يعمل أن يعلم أبناءه أن يتعالج بكرامة

وأن يعود إلى بيته آمنا لكن النخبة السياسية ولعقود طويلة استغلت طيبته وصبره

وأشغلته بلقمة العيش حتى لا يجد وقتا ولا طاقة لمساءلة أحد أصبح المواطن منشغلا من الصباح إلى المساء بتوفير احتياجاته الأساسية

بينما تنهب الموارد وتدار الدولة بلا رؤية ولا ضمير

السودان بلد يستحق أفضل من هذا

شعبه يستحق أفضل من هذا

وما حدث من حرب ونزوح وفقدان لم يكن أمرا بسيطا

فقدنا شهداء فقدنا آباءً وأمهات كبار سن لم يحتملوا صدمة النزوح القسري

كثيرون منا خرجوا من السودان غصبا عنهم

لا حبا في الغربةبل هربا من نيران الحرب ومع ذلك نقول لعل في هذه المحنة خيرا

ولعل الوجع يكون بداية وعي جديد

الحرب كشفت الكثير وأزالت الغشاوة عن العيون

لم يعد هناك سوداني لا يرى ما يحدث

المطلوب اليوم واضح جدا وبسيط ومن ابسط الحقوق الانسانية

أن يكون المواطن هو الأولوية

كل مسؤول من أصغر موظف إلى أعلى منصب يجب أن يفهم أن وجوده في موقعه تكليف لا تشريف

أنت هنا لتخدم المواطن لا لتذله راتبك من حق هذا الشعب وواجبك أن تقدّم له الخدمة بأدب واحترام وكرامة

لو أن كل وزارة أدت دورها بصدق

وزارة الزراعة اهتمت بالأرض

وزارة الصحة اهتمت بالمستشفيات

وزارة التعليم اهتمت بالمدارس والمعلمين

ولو أن كل مسؤول خاف الله في عمله لنهض السودان سريعا وبقوة

نحتاج أيضا إلى قانون رادع يحاسب كل خائن وكل فاسد وكل من استغل موارد الدولة لمصالحه الشخصية دون أي حس وطني

وفي هذا السياق نبارك لأهلنا في كادوقلي والدلنج ونحي الانتصارات التي تحققت بعد توفيق الله بعزيمة وبسالة القوات المسلحة جيش السودان يجب أن يكون بعد هذه الحرب

اهم فئة في الدولة مكانة ورفعة واهتمام

لأن الدول لا تحمى إلا بجيوش قوية واعية ومنحازة للوطن

ختاما

السودان يمكنه أن ينهض

السودان يملك كل مقومات النهوض

ما نحتاجه فقط هو إرادة صادقة ونخبة جديدة تؤمن بأن خدمة المواطن هي الطريق الوحيد لبناء الدولة

كفى ظلما

كفى تهميشا

الجاي لازم يكون مختلف…

وإن شاء الله الجاي كله خير….

زر الذهاب إلى الأعلى