أعمدة الرأي

ريحة البلد د. سارة عبدالعزيز تكتب هل يستطيع القحاتة دخول السودان حتى لو صدر عفو عام ؟؟؟

 

في لحظة مثقلة بالدم والخذلان يقف السوداني بين نارين نار الغضب الذي يشبه حقا شخصيا لا ينتزع ونار الوطن الذي لا يقوم إلا بكل أبنائه السؤال الذي يتردد في المجالس والبيوت ومخيمات النزوح وفي شوارع المنافي ليس بسيطا هل يستطيع الذين خذلوا أو صمتوا أو اصطفوا في الجانب الخطأ من التاريخ أن يعودوا يوماً ليعيشوا وسط الشعب السوداني حياة عادية؟ وهل يقبلهم الشارع الذي ما زالت جراحه مفتوحة؟

هذا سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيا

سؤال عن معنى الانتماء بعد الخطيئة وعن قيمة الوطن بعد أن سالت دماؤه في الشوارع

السودان اليوم ليس مجرد جغرافيا متنازع عليها بل ضمير مجروح

الناس لا تسأل بدافع الكراهية وحدها بل بدافع الألم

من رأى بيته يقصف ومن دفن ابنه ومن تشتتت أسرته بين الحدود لا يمكن أن يطلب منه ببساطة أن ينسى أو أن يبتسم في وجه من يعتقد أنه شارك فعلا أو صمتا في صناعة المأساة

البلدان التي تفرّط في العدالة باسم التسامح تراكم ألغاما تنفجر لاحقا في وجه الجميع

الحقيقة الصعبة

لا عودة بلا عدالة ولا عدالة بلا قانون

ولا قانون بلا دولة

الناس الذين ينظر إليهم اليوم باعتبارهم منحازين أو صامتين أو داعمين لجرائم لن يستطيعوا ببساطة أن يهبطوا في مطار الخرطوم غدا ويمشوا في الأسواق وكأن شيئا لم يكن المجتمع ليس غافلا والذاكرة الشعبية ليست قصيرة السمعة السياسية خصوصا حين ترتبط بملف دم لا تمحى بالسفر ولا تخفى بالإقامة في عواصم بعيدة

الفصل الحقيقي في قاعة القضاء

من تلطخت يداه بالدم يحاسب

من حرض يُسأل

من موّل يدان ومن أخطأ موقفا أو سكت خوفا فليواجه المجتمع بالحقيقة والاعتراف والمراجعة

العدالة الانتقالية ليست ترفا سياسيا بل شرط نجاة

هي الطريق الوحيد الذي يسمح للضحية أن ترى الإنصاف وللمجتمع أن يلتئم وللوطن أن يفتح صفحة جديدة دون أن يمزق الصفحة القديمة أو يتظاهر بأنها لم تكتب

فهل يقبل الشعب من جديد؟

الشعب السوداني بطبيعته ليس شعباً حاقداً لكنه أيضاً ليس شعباً ساذجا يسامح حين يرى صدقا ويمنح فرصة حين يرى تحمل مسؤولية لكنه لا ينسى حين يرى مكابرة واستعلاء وإنكارا

العودة إلى السودان ليست تذكرة سفر

هي امتحان ضمير

هي استعداد للمساءلة

هي قبول بحكم القانون لا الاحتماء بنفوذ أو علاقات أو روايات مزيفة

وإذا كان بعضهم اليوم لا يستطيع السير في شوارع مدن إقامته دون حراسة أو حذر فذلك ليس لأن العالم قاس بل لأن سمعة الإنسان تسبقه

فما بالك بشعب يرى الخراب بأم عينه كل يوم؟

السودان لن يبنى بالإقصاء، لكنه لن يبنى بالإفلات من العقاب أيضا

الوطن لا يتسع للظلم ولا يحتمل الانتقام

يتسع فقط للعدالة

في النهاية القضية ليست هل يستطيعون العودة؟

القضية أي سودان نريد أن يعودوا إليه؟

إن كان سودان الفوضى فسيبقى الصراع مفتوحا

وإن كان سودان الدولة والقانون فسيكون الباب مفتوحاً لكل من يقبل بالمساءلة ويعترف ويتحمل ويضع الوطن فوق الجماعة والحزب والمصلحة

السودان أكبر من الجميع

أكبر من المعارك وأكبر من الانقسامات وأكبر من الذين ظنوا يوما أنهم يملكونه

والشعب مهما تألم لا يطلب أكثر من شيء واحد

عدالة تنصفه

ثم وطن يستحق أن يعاش فيه بكرامة

زر الذهاب إلى الأعلى