ريحة البلد إذا صلح الناس ضاق الخناق على الفاسد وإذا استقام المواطن تعرّت السلطة بقلم : د.سارة عبد العزيز

في الأمم الحيّة دايما لا تُقاس الوطنية بالشعارات المرفوعة ولا بعدد الأعلام المعلّقة على الشرفات لكن تُقاس بسلوك الناس في الشارع في المواصلات عند إشارة المرور و الامكان العامة والحدائق هناك في التفاصيل الصغيرة يظهر معدن الشعوب.
بالأمس، مرّ أمامي مقطع مصوّر من شارع النيل في امدرمان المشهد صادما قمامة متناثرة وبقايا الاكل على الأسفلت والمآرة يعبرون كأن الأمر لا يعنيهم. الصورة تعبر عن فوضى وعدم مسئولية وكانت تطرح سؤالاً كبيراً
كيف نطلب دولة نظيفة ونحن لا ننظف أرصفتنا؟ كيف نلعن الفساد بألسنتنا ونمارسه بأيدينا؟
الحقيقة التي لا نحب سماعها أن فساد الدولة لا ينبت في فراغ نقطة سطر جديد ✋
الدولة مرآة شعبها. إذا صلح الناس، ضاق الخناق على الفاسد. وإذا استقام المواطن، تعرّت السلطة
شعب واعٍ حرّ، نظيف لا يرضى بحاكم ظالم ولا يسكت على إدارة فاسدة
أما حين يعتاد الناس الاستهتار ويتسامحون مع الخطأ الصغير فالكبير يأتي من بابه الواسع
في دول كثيرة نعيش فيها تعلمنا كيف تحترم الوطن لا يجرؤ المرء على رمي ورقة في الطريق ليس خوفا من الكاميرات فقط بل خشية من نظرة المجتمع. القانون رادع يدٌ تمسك بالمخالف قبل أن يتمادى
غرامات واضحة محاسبة لا تعرف المجاملة وتربية مدنية تبدأ من المدرسة وتنتهي عند آخر رصيف في المدينة.
المواطن هناك يعرف أن الشارع بيته الكبير، وأن الإضرار به إضرار بنفسه.
أما عندنا، فالمشكلة أعمق من كيس قمامة المشكلة في ثقافة “ما دخّلني”. في الصمت على الخطأ
في التبرير الدائم بأن المسؤولية تقع على الدولة وحدها. نعم الفساد الإداري موجود ولا يمكن إنكاره.
والسودان دفع ثمنا باهظا من أرواح أبنائه وممتلكاته في سنوات الحرب والاضطراب.
لكن إعادة البناء لا تبدأ بالإسمنت لكن بالضمير اولا
الوطن ليس فندقا نغادره إذا ساءت الخدمة.
الوطن بيتنا الأول والأخير السوداني من غير وطن فاقد لي الهوية مهما منحتنا الدول من اقامات تجارية أو غيره
الشارع الذي نرمي فيه القمامة هو ذاته الذي نمشي فيه مع أطفالنا هل يقبل أحدنا أن يُلقى الوسخ في صالة بيته؟ إن كان الجواب لا، فلماذا نقبل به في طرقات مدننا؟
نحن بحاجة إلى تربية وطنية جديدة، تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والأرض.
تربية تقول بوضوح النظافة مسؤولية، احترام القانون شرف، والإبلاغ عن الخطأ حماية للمجتمع لا تدخّل في شؤون الغير
نحتاج إلى قوانين رادعة تُطبّق بدون استثناء غرامات حقيقية على رمي النفايات عقوبات صارمة على تجاوزات المرور، ومحاسبة من غير وساطات حين يشعر المواطن أن الخطأ مكلف سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكبه
لكن قبل القانون هناك الضمير قبل الكاميرا هناك الرقابة الذاتية الشعوب المحترمة لا تنتظر شرطيا عند كل زاوية، لأنها تحمل شرطتها في داخلها
السودان اليوم في حاجة إلى نهضة أخلاقية بقدر حاجته إلى إعادة إعمار نحن أمام فرصة تاريخية لنكتب فصلا جديدا عنوانه
دولة قانون، ومجتمع مسؤول أليس من حقنا أن نحلم بسودان آمن ومستقر يجب أن نتصرف كسودانيين يستحقون هذا الأمان
التغيير لا يبدأ من القصر الجمهوري لكن من عتبة البيت من يدٍ تلتقط ورقة سقطت على الأرض
من مواطن يقول لآخر هذا بلدنا فلا تشوّهه
من أب يعلّم أبناءه أن حب الوطن فعل يومي لا هتاف موسمي
إذا أردنا دولة عادلة فلنكن شعبا عادلا
وإذا أردنا وطنا نظيفا فلنبدأ بأنفسنا


