أعمدة الرأي

محمد الدودو ( ابن الكريس )  يكتب عندما يختفي الجمال وتصير احلام الطفولة رعب وانكسار

 

لم يكن لجيلنا نحن مواليد ستينات القرن الماضي طفولة مثالية ولم نعش على الثلاثة وجبات والاسترخاء على أسرة من لحاف بعد يوم مضني من المكابدة وقضاء معظم النهار سيرا على الأقدام بل كانت حياتنا بين جلب الماء من مسافات يطول السفر والعودة منها ومسافات تطول ونحمل كتيبات وكراسات بحثا عن العلم دفعا من الاهل وكاننا نقاد إلى الانتحار بين شمس حارقة وليل بارد

لقد كانت طفولتنا رغم عذابها لكنه عذاب حلو الطعم وممتعا في الحياة فقد كنا نعوض بذاك الحنان والذي يتدفق الينا ابتدائا من الأم والخالة والخلان والأب والأعمام بل والجيران وأهل القرية ما قابلك أحدهم إلا ونظر اليك بحنان وعطف وتحدث معك وكان عيناه تزرف دموعا من الحنان يسئلك من اهل البيت وعن حالك

وكان الحال هو حال كل الناس فقر يخلق الطيبة وعوز يسند الترابط ويقوي الوفاء وكان من يذهب إلى المدينة وياتي الى القرية لم يكتنز مال وفيرا ليبني منزلا او يشيد قصرا يتباها به بين الاهل بل كان همه الأوحد هو ان يحضر كمية من الجلابيب البيضاء للأب والخيلان والإخوان وكل من غمرك بالحنان كان الهم ان تكون هناك شنطة ممتلئة بالثياب الملونة للام والخالات والعمات وبناتهن وأسر الجيران والحبوبات.

وعندما يعود الشاب إلى القرية يقضي فقط ثلاثة ايام مليئة بالضيافة بعدها تجده بين الاهل والأصدقاء وكأنه لم يرى المدينة لا يتفوق إلا بقصصه عن الخرطوم بالليل وتلك البلورات اللامعة ليلا وبنات الحور في المدن وهن بين اياب وذهاب إلى المدارس.

كان هذا سيناريو للحالة الاجتماعية لتلك الايام وذلك السراب الذي ولى وتلك الفترة كنا نجدها مرهقة ومتعبة لكنها تمحى بالحنان ولكن ماذا عن اليوم وماذا عن طفل اليوم هل هو أسعد من طفل الأمس

بالتأكيد أجاوب واقول كلا والف كلا

لقد تغنت بنت الأمس من الريف إلى المدينة بأغنيات ملئى بالحلم والتطلع الى المستقبل بينما يعيش طفل اليوم عالم افتراضي يهرب الىه من المأساة

تغني طفل الأمس عن قيام الفجر والصلاة حاضرا والتجهيز والذهاب إلى المدرسة فكانت أنشودة ( بدري صحيت من نومي وقمته مشيت لامي وابوي صبحته. شربته الشاي بكل لطافة وبين اخواني كنته قيافة) كلمات ترسم للطفل كيف يصبح وما هي واجباته.

كما تغنى الطفل وهو يشكر ويقدر استاذه فكانت أنشودة ( مشكرين ومقدرين يا معلمات ومعلمين)

ماضي عاش عبق الفقر ممزوج بأدب العلم وطموح المستقبل

ليتطور عقل الطفل وتجده ينشد محزرا رصفائه منشدا ( اوع تقطع صفق الشجرة عشان ما يجينا جفاف وتصحر ) قمة الوعي والفهم.

وهو نفس الطفل الذي ينشد مقدرا المرأة وهي أمه قائلا ( إذا النساء نشئنا في امية رضع الرجال جهالة وخمولا)

اي جيل هذا والذي ينعته جيل اليوم بانه جيل غير منفتح

ان جيل اليوم جيل التكنلوجيا والسعي خلف المال قد تجده متعلم نسبة لانفتاح التعليم رأسيا وأفقيا ولكن هو ايضا جيل فقد الكثير وسلب اكثر

لقد سلب هذا الجيل التفكير والأمل والأحلام الواقعية فأصبح جيل المدينة جيل افتراضي يعيش افتراضيا بين النوم والصحيان فقد سلب قوقل لبه واصبح له اما وأبا فكرا وحلما.

اما جيل القرية فقد سلبته حمى الذهب فأصبح طفل الخامسة وقبل ان يضع القلم بين يديه يحمل قارورة الذئبق والتشط والماء بحثا عن الاحمرالوهاج واصبح الجيل يرى في الذهب هو العلم ويرى ان يركب موتر او عربة او منزل هو قمة طموحاته فاصبحت المدارس خاوية على عروشها حتى اولائك الذين مجبرين على الجلس تحت مظلتها فان قلبهم ليس مع الاستاذ والذي هو بدورها يسعى مسرعا لقضاء واجب الطباشير حتى يلحق بعماله في بئر الذهب والتي ربما يكون من بين عمالها طالب من طلابه.

ان طفل اليوم في المدينة والريف يعيش مآساة

فطفل المدينة عاش حرب ضروس وحتى الان يعيشها واصبح هروبه من ذكرياتها عبر الدخول في تطبيقات وألعاب يستنبط منها بطوله لقتل العدو الذي مزق أسرته وهو يحمل في مخيلته هتاف تعمق فيه في زمن الفاقة ولا يتجاوزه الهتاف ب ( الدم قصاد الدم لا نقبل الدية ) فاصبحت ثقافته الانتقام لانه لم يدرس العفو عند المقدرة ولم يعلم ان القرآن وضح التعامل في الحدود وان من عفى وأصلح فأجره عند الله.

اما طفل القرية والريف ذاد عليه التشرد والفاقة واصبح كما اسلفنا هروبه إلى المناجم هو الحل والحلم فتجده يجلس بين كومة تراب منكسر فلا أب يسأله عن التعليم ولا ام تسآله اين أكل حتى الوجبة الواحدة ناهيك عن الثلاثة وجبات.

انها صرخة في وادي الصمت انها حرب ضد الطفولة انه تدمير لمستقبل الأجيال فالمال بلا علم كمن ينظر سرابا يحسبه الظمآن ماء ولو كان يقود عربة لتأكد له ان ما يراه ليس ماء.

وفي كل هذا ذاك تاتي مافيا المخدرات لتقضي على جيل المدين وجيل الريف فماذا تبقى.

واليوم تجدني اتسائل هل يرثنا جيل من الزومبي?

لك الله يا وطن.

 

أبريل 2026 م

زر الذهاب إلى الأعلى