( الضؤ الشارد) من بورتسودان إلى باب المندب. تحالفات الظل تضع البحر الأحمر على صفيح ساخن بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

طرح رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية حسب النبي محمود رؤية شديدة التحذير بشأن ما يصفه بتنامي التحالفات العسكرية والسياسية بين جماعات الإسلام السياسي في السودان والمحور الإيراني معتبراً أن الأزمة السودانية لم تعد شأنا داخليا فحسب بل تحولت إلى ملف إقليمي ودولي يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية. ويستند هذا الطرح إلى أربع زوايا رئيسية أولها الحديث عن نقل تقنيات عسكرية متطورة ومسيرات إيرانية إلى مجموعات مرتبطة بالحركة الإسلامية بما يعكس تحول الحرب السودانية إلى ساحة تتقاطع فيها أجندات إقليمية متعددة. أما الزاوية الثانية فتتعلق بالمخاوف من تمدد النفوذ الإيراني على طول الممرات المائية الإستراتيجية حيث يرى أن السودان قد يصبح حلقة جديدة ضمن شبكة النفوذ الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
وفي الجانب السياسي ينتقد محمود ما يعتبره رهانات إقليمية خاطئة على إمكانية الفصل بين بعض مراكز السلطة الحالية والتنظيمات الإسلامية محذراً من أن تجاهل طبيعة هذه العلاقات قد يقود إلى أخطاء إستراتيجية مكلفة للدول المعنية بأمن المنطقة.
أما في ما يخص المستقبل فيطرح رؤية تقوم على إنهاء الحرب وتفكيك البنى السياسية والعسكرية المرتبطة بالنظام السابق باعتبار ذلك شرطا أساسيا لبناء دولة مدنية ديمقراطية قادرة على استعادة علاقاتها الطبيعية مع المجتمعين الإقليمي والدولي.
ويعكس هذا الخطاب تصاعد المخاوف من تحول السودان إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي تتجاوز تداعياتها الحدود الوطنية خاصة مع ارتباط الأزمة بممرات بحرية تعد من أكثر المناطق حساسية في العالم. وبين الاتهامات المتبادلة والحرب المستمرة يبقى السؤال الأبرز هل ينجح المجتمع الدولي في احتواء هذه التهديدات قبل أن تمتد آثارها إلى أمن البحر الأحمر بأكمله ؟ أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة؟
بعد أن نجح الإخوان في تحويل السودان إلى ورشة أزمات مفتوحة لثلاثة عقود يبدو أنهم قرروا ترقية المشروع من أزمة محلية إلى أزمة إقليمية كاملة الدسم. فبدلا من تصدير الذهب أو التنمية أو الاستقرار اتجهوا إلى استيراد النفوذ الإيراني وتقديم البحر الأحمر هدية مجانية لمهندسي الفوضى. وكأن المنطقة كانت تشكو من نقص في الحرائق السياسية والأمنية. لكن المشكلة أن البحر الأحمر ليس حديقة خلفية للتجارب العقائدية الفاشلة ولا ممرا مائيا لتسويق الأوهام القديمة بثوب جديد. فالمشروع الذي أغرق السودان في الأزمات لن يتحول فجأة إلى مشروع إنقاذ للمنطقة حتى لو وصل على متن طائرة مسيرة أو تحت راية تحالفات الظل التي ليست سوى محاولة يائسة لاستعارة القوة من الخارج بعد نفاد الرصيد في الداخل. فهي تحالفات تُبنى في الغرف المظلمة لكنها سرعان ما تنكشف تحت ضوء الواقع لأنها تقوم على المصالح الضيقة لا على مصالح الشعوب. وكلما ضاقت الخيارات أمام أصحابها لجأوا إلى استيراد الأزمات وبيع الأوهام معتقدين أن التحالف مع صناع الفوضى يمنحهم البقاء بينما لا يحصدون في النهاية سوى مزيد من العزلة والرفض وفاتورة سياسية وأمنية يدفع ثمنها الوطن بأكمله .


