مقالات الرأي

أحمدعبدالكريم عبدالله يكتب لماذا يشتري المواطن الخبز بـالقطعة،، بينما تُحسب تكلفته بـ (الكيلو)؟ 

 

في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تطحن المواطن السوداني، تظل لُقمة العيش هي الهاجس اليومي لكل أسرة،. ومع كل تموج في أسعار الصرف أو تحرك في أسعار الوقود، تفاجئنا المخابز بتعديل أسعارها،. إلا أن الأزمة الحقيقية ليست في غلاء الأسعار فحسب، بل في (آلية التسعير) نفسها، والتي تفتقر إلى أبسط قواعد العدالة والمنطق الاقتصادي،.

إن المعادلة الحالية المتبعة في تحديد أسعار الخبز في السودان مقلوبة تماماً؛ فالدولة والمخابز تحسب تكلفة الإنتاج بناءً على مُدخلات تُقاس بالوزن والحجم، فالدقيق يُشترى بـ الجوال والكيلوجرام، والغاز يُحسب بـ اللتر أو الكيلو، والكهرباء والمياه وبقية مدخلات الإنتاج ، جميعها تخضع لمعايير كمية ووزنية صارمة، حتى العمالة تُحتسب تكاليفها بناءً على كمية الدقيق المُنتج ،.

لكن فالمدهش حقاً أنه عندما تصل هذه المدخلات إلى يد المستهلك النهائي فى شكل منتج (عيش) ، تختفي لغة “الكيلوجرام” فجأة، وتتحول بقدرة قادر إلى لغة “القطعة”!

إنها وبكل المفاهيم تُعتبر مُفارقة تجافى العدالة والمنطق معاً ، فكيف يستقيم عقلاً وإقتصاداً أن تقوم المخابز بشراء جميع مدخلاتها بالوزن، ثم تبيع منتجها النهائي (العيش) بالعدد؟

إن هذه الفجوة بين طريقة حساب التكلفة وطريقة البيع، هي الثغرة التي يقع فيها المواطن ضحيةً للإستغلال ، فالجميع يلاحظ ظاهرة (انكماش الخبز)؛ حيث تظل قطعة الخبز بالثمن نفسه أو ترتفع قليلاً، لكن وزنها يتضاءل يوماً بعد يوم حتى تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد (لُقيمَات) لا تُسمن ولا تُغني من جوع،. لذا فإن غياب معيار الوزن عند البيع يفتح الباب واسعاً جداً أمام التلاعب بالوزن لتعويض فارق التكلفة على حساب جيب المواطن.

فالعدالة الاقتصادية والاجتماعية بل والأخلاقية تقضي بأن تتم عملية تحديد أسعار الخبز بالكيلوجرام (أو أجزائه) أسوةً بمدخلات إنتاجه، وأسوةً بما هو مُتبع في الكثير من دول العالم ليس المتقدم ، بل حتى دول مايسمى بالثالث منه،

إن بيع الخبز بالوزن يضمن حقوق جميع الأطراف:

فهو يضمن للمواطن أنه يدفع مقابل قيمة حقيقية ووزن محدد يملأ بطون أطفاله، دون أن يقع ضحية لـ (خفة يد) أو فهلوة بعض المصنعين في تقليص حجم القطعة.

كما يضمن لأصحاب المخابز مواكبة تصاعد أسعار المدخلات بشكل عادل؛ فإذا ارتفع سعر كيلو الدقيق، يرتفع سعر كيلو الخبز تلقائياً دون الحاجة للدخول في صراعات مُستمرة مع السلطات المحلية حول عدد القطع وحجمها ،.

كما أنه يسهل للجهات الرقابية عملية التفتيش والمراقبة وضبط الأسواق ، إذن ووفق مفهوم العدل والمنطق فلابد أن يصبح الميزان هو الحَكَم والفصل العادل لجميع الأطراف،

إن إعادة صياغة تسعيرة الخبز لتصبح بالوزن ليست ترفاً فكرياً أو تنظيرياً، بل هي خطوة مُلحة لإعادة قطار العدالة إلى مساره في لقمة عيش المواطن. وقد حان الوقت لتتحرك الجهات المسؤولة وتفرض “سلطة الميزان” لحماية المتبقي من القدرة الشرائية للمواطن السوداني ،. فالعدالة لا تتجزأ، ومن غير المقبول أن تُحسب التكلفة بمعايير العصر، بينما يُباع المنتج بمعايير القرون الوسطى ،.

زر الذهاب إلى الأعلى