أحمد عبد الكريم عبد الله يكتب المجالس التربوية: من شراكة الأسرة إلى مسؤولية المجتمع

لأعوام طويلة خلت، تم اختزال دور ولي الأمر في العملية التعليمية عند بوابة المدرسة؛ فهو يُرسل ابنه صباحاً، وينتظر عودته أو يستلمه ظهراً، ثم يسأل عن النتيجة في نهاية العام -وقد لا يسأل البعض-. وكانت “مجالس الآباء” في كثير من الأحيان مجرد اجتماعات موسمية، تقتصر على جمع التبرعات لمعالجة بعض النواقص في البيئة المدرسية فقط.
إلا أن اليوم، وبعد تطوير الفكرة والهدف، والتحول إلى مسمى “المجالس التربوية”، فإن الأمر لم يعد مجرد تغيير لفظي؛ فهذا التعديل في التسمية يحمل في طياته دلالةً مفاهيميةً عميقة، إذ انتقلت الدائرة من شراكة ثنائية وشكلية بين البيت والمدرسة إلى شراكة ثلاثية تضم: المدرسة، والأسرة، والمجتمع المحلي ممثلاً في رموزه والخيرين والفاعلين من أبنائه.
لذا نجد أن المفهوم والأساس القانوني والتربوي لهذا يشير، بل يؤكد، أن المجلس التربوي هو هيئة استشارية وتنفيذية تعمل داخل المؤسسة التعليمية ومن أجلها، ويضم في عضويته مدير المدرسة كمقرر للمجلس، إلى جانب أولياء الأمور وشخصيات مجتمعية مؤثرة.
ويستند التوسع في التسمية إلى إدراك تربوي راسخ، مفاده أن العملية التعليمية والتربوية مسؤولية مجتمعية تكاملية؛ فالمدرسة وحدها لا تصنع الإنسان الفاعل إيجاباً تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، والبيت وحده كذلك لا يكفي. ولما كان المجتمع هو الإطار الأكبر الذي يحتضن نواتج التعليم سلباً أو إيجاباً، فقد أصبح لزاماً إشراك الطبيب، والمهندس، ورجل الأعمال، وعالم الدين، والخبير التربوي في بوتقة واحدة. وهذا بلا شك يمنح المجلس التربوي للمدرسة بعداً معرفياً وتفاعلياً ومجتمعياً لا تملكه الإدارة المدرسية بمفردها.
إن الأدوار المحورية للمجالس التربوية في العملية التعليمية تتمثل في التخطيط الاستراتيجي والمتابعة التقييمية؛ إذ يمثل المجلس التربوي عقل المدرسة المفكر والفاعل بشمولية أكبر. فهو يشارك في التهيئة السنوية لاستقرار وجاهزية وكفاءة المدرسة، كما يمكنه تحديد الأهداف التربوية والمجتمعية في محيط مدرسته، وإجراء تقييمات دورية وتشخيص مواطن القوة والضعف في المدرسة كمؤسسة تعليمية تلعب دوراً هاماً في مجتمعها.
ثم يأتي دور المجالس التربوية في شموليتها عبر ترسيخ الانضباط والقيم السلوكية، وفق أواصر التعاون والتعاضد مع إدارة المدرسة ومعلميها، بل حتى العاملين فيها. فمن أبرز مهام المجلس وضع ميثاق رقابي سلوكي واضح للطلاب، حتى يكون المجلس التربوي عيناً وعضداً مجتمعياً مساعداً لإدارة المدرسة كعنصر تعليمي فني ورسمي. وعندما يصدر ويُفعّل هذا الميثاق عن توافق بين البيت والمدرسة والمجتمع، فإنه يكتسب قوة إلزامية، ويختفي التضارب الذي يربك الطالب بين خطاب المدرسة وسلوك الشارع.
لذا فإن المجلس التربوي يمثل حلقة الوصل الأقوى بين المدرسة والمجتمع، وهنا يتجلى جوهر التغيير في المسمى؛ فالمجلس التربوي ينقل للمدرسة تحديات البيئة المحيطة (اقتصادية، اجتماعية، وثقافية)، وفي المقابل ينقل للمجتمع -عبر دوره التشاركي- احتياجات المدرسة، فيسهم الخيرون في صيانة البنية التحتية وتجهيزاتها، وتمويل وتفعيل النشاط اللاصفي، وتقديم السواعد التطوعية. وبهذا تتحول المدرسة من عبء على الدولة إلى مشروع تنموي يتبناه المجتمع نفسه.
وقد تنجم هنا وهناك معوقات أو تحديات تحد من فاعلية بعض المجالس التربوية، وتجعلها حبراً على ورق، ومن بينها ثلاثة عوامل رئيسة:
أولاً: غياب تفويض حقيقي ومفصل للصلاحيات، مما يحول توصيات المجلس إلى مجرد اقتراحات غير ملزمة.
ثانياً: عدم الفهم السليم لبعض رؤساء أو أعضاء تلك المجالس للطبيعة والأهداف التي تشكلت من أجلها؛ فقد يعتبرها البعض عملية هيمنة وتمظهر وتشريف، وليس مكوناً متجانساً وأمانة تكليف، كما قد تنقص تلك المجالس مهارات التخطيط والمتابعة وكيفية التنفيذ وتقييم الأداء.
ثالثاً: النظرة النمطية لبعض الأشخاص في عملية ترؤس أو عضوية تلك المجالس، والتي قد تحول المجلس التربوي لمجرد جسم وإجراء شكلي، وليس شريكاً فاعلاً ومسؤولاً.
لذا فإننا، ولتفعيل المجالس التربوية، نحتاج إلى ثلاثة مداخل متزامنة:
مدخل تشريعي لإيجاد لائحة واضحة تحدد الاختصاصات والصلاحيات وآليات المحاسبة.
ومدخل تدريبي على شكل كتيبات صغيرة أو نشرات تشكل برامج تأهيل مستمرة للأعضاء على أسس الحوكمة المدرسية تربوياً وأكاديمياً لرفع معدل تفهمهم لدورهم المنوط بهم.
كما أن هناك عنصراً في غاية الأهمية وهو “العنصر الثقافي” عبر حملات تعريفية وتثقيفية متواترة للمجتمعات المحيطة بالمدارس، بهدف التعريف بدور المجلس التربوي باعتباره حقاً للطالب وواجباً على المجتمع.
وخاتمة القول: إن المجالس التربوية هي امتداد وتطوير لمجالس الآباء القديمة، لكنها بثوب أوسع وأكثر نضجاً إذا أحسنا تفعيلها، وانتقلنا بها وعبرها من نموذج المدرسة الحكومية إلى نموذج المدرسة المجتمعية. فالتعليم الآن أصبح قضية أمن قومي متكاملة لا تتحملها وزارة وحدها؛ وحين يمسك المعلم وولي الأمر ورمز وقدوة المجتمع بطرف الحبل نفسه ويسحبونه في اتجاه واحد، عندها فقط نضمن مدرسة تربي قبل أن تُعلم، وطالباً يمكن أن يبني ولا يُلقن فقط.


