فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب لماذا لأجهزة القوات النظامية هيكل اجور ومعاش مستقل بقوانين خاصة (1)

لم يكن الاهتمام بالتشريعات المالية المنظمة للمرتبات والمعاشات في قوات الشرطة، بالنسبة لي شخصياً، وبما في ذلك شأن كثير من زملائي من ضباط الشرطة في الخدمة والمعاش، يتجاوز في الغالب متابعة ما يصدر بين الحين والآخر من هياكل للأجور، أو ما يطرأ عليها من تعديلات، أو ما يصدر عن وزير الداخلية من قرارات تتعلق بفئات البدلات والعلاوات المهنية والتخصصية وغيرها من المخصصات المالية المرتبطة بطبيعة الخدمة الشُرطية. فقد كان الاهتمام العملي ينصرف، في معظمه، إلى الأثر المالي المباشر لهذه القرارات، دون التوقف عند فلسفتها التشريعية، أو الأسس القانونية التي تقوم عليها، أو العلاقة التكاملية بين التشريعات المنظمة للمرتبات والمعاشات وسائر القوانين ذات الصلة.
(أولاً) لماذا الاهتمام بالتشريعات المالية والمعاشية:
—————————————‐—-
لم يكن الاهتمام بالتشريعات المالية والمعاشية وليد اهتمامٍ مهني عارض أو استجابةً لواقعة فردية، وإنما جاء نتيجة مسار علمي وعملي متدرج قاد إلى إدراك الأهمية الدستورية والقانونية لهذه التشريعات، بوصفها الإطار الذي ينظم جانباً أساسياً من الحقوق المالية والوظيفية، ويجسد في الوقت ذاته فلسفة الدولة في توزيع الاختصاصات بين مؤسساتها، وتحقيق التوازن بين مقتضيات السياسة المالية العامة وضمان الحقوق التي أنشأها القانون.
وقد بدأ هذا التحول الفكري منذ انخراطي في الدراسة الأكاديمية لمرحلة الدكتوراه، التي انصبت على التشريع وصناعة القانون، وما أتاحته من تعمق في فلسفة التشريع، ومناهج التفسير القانوني، وآليات بناء القاعدة القانونية، والعلاقة بين النصوص التشريعية ومقاصدها، وكيفية تكامل القوانين داخل المنظومة القانونية للدولة. ثم تعزز هذا المسار بصورة أكبر عقب انتقالي إلى ممارسة مهنة المحاماة بعد إحالتي إلى المعاش، حيث أتاحت لي هذه الممارسة الجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، والتعمق في تحليل التشريعات المنظمة لعلاقات العمل، والحقوق الوظيفية، والحقوق التقاعدية، وعلى وجه الخصوص قانون العمل لسنة 1997م، وقوانين المعاشات، والتأمينات الاجتماعية في السودان، إلى جانب مباشرة العديد من المنازعات الإدارية المتعلقة بالخدمة العامة المدنية أمام القضاء الإداري بموجب قانون القضاء الإداري لسنة 2005م وتعديلاته اللاحقة لسنة 20217م.
وقد أسهم هذا التراكم العلمي والمهني في إعادة تشكيل الرؤية لهذه التشريعات، فلم يعد النظر إليها باعتبارها مجرد نصوص تنظم استحقاقات مالية أو تحدد مقدار المرتبات والمعاشات، وإنما باعتبارها منظومة تشريعية متكاملة تعكس فلسفة المشرع في تنظيم الحقوق المالية، وتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات العامة، وترسيخ مبادئ سيادة القانون، والمشروعية، والتخصص التشريعي، والأمن القانوني، واستقرار المراكز القانونية. ومن هذا المنطلق، أصبح الاهتمام بالتشريعات المالية والمعاشية مدخلاً لفهم البناء القانوني للدولة وآليات حماية الحقوق، قبل أن يكون اهتماماً بالجوانب المالية المجردة التي تنظمها تلك التشريعات.
وقد أسهم هذا التراكم العلمي والمهني في نقل الاهتمام من مجرد متابعة الآثار المالية المباشرة للنصوص القانونية إلى دراسة فلسفتها التشريعية، وتحليل منهج المشرع في بناء القواعد القانونية المنظمة للحقوق المالية، وكيفية توزيع الاختصاصات بين المؤسسات التي عهد إليها بتنفيذها، والوقوف على المبادئ الدستورية والقانونية التي تحكم تطبيق هذه التشريعات، والعلاقة التكاملية التي تربط بينها في إطار منظومة قانونية واحدة، بما يكفل احترام مبدأ سيادة القانون، ومبدأ المشروعية، وقاعدة التخصص التشريعي، واستقرار المراكز القانونية، ويضمن تحقيق الغاية التي قصد إليها المشرع عند إنشاء هذه النظم القانونية والمؤسسية.
وازداد هذا الاهتمام عمقاً واتساعاً في كل ما يتصل بالشأن القانوني والوظيفي لمنسوبي قوات الشرطة عندما بدأت تتواتر إليّ (شخصي) شكاوى وتظلمات عدد كبير من ضباط الشرطة المتقاعدين بشأن الكيفية التي تمت بها تسوية استحقاقاتهم التقاعدية وفق أحكام قوانين معاشات قوات الشرطة لسنة 1995م، وما صاحب تطبيقها من تباين في الفهم والتفسير والإجراءات. ثم ما لبثت هذه المسألة أن أصبحت تمسني شخصياً بصورة مباشرة، باعتباري أحد ضباط الشرطة الذين صدرت بشأنهم قرارات تسوية المعاش من إدارة فوائد ما بعد الخدمة برئاسة قوات الشرطة، الأمر الذي أتاح أن أنظر إلى هذه القضية من زاويتين متكاملتين؛
(الأولى) زاوية الممارس للمهنة القانونية،
(الثانية) زاوية صاحب المصلحة الذي يخضع لأحكام القانون ذاته.
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الأمر مجرد مطالبة بحق مالي شخصي، أو منازعة تتعلق بتسوية معاش فردية، وإنما تحول إلى مشروع بحث قانوني وفقهي ومؤسسي متكامل، غايته الوقوف على حقيقة النظام القانوني الذي أنشأه المشرع لمعاشات قوات الشرطة، والكشف عن فلسفته التشريعية، وتحليل بنيته المؤسسية، وبيان العلاقة بينه وبين سائر التشريعات المالية والإدارية ذات الصلة، والتحقق من مدى اتساق التطبيق العملي مع النصوص القانونية ومقاصدها، ومع المبادئ الدستورية التي تحكم توزيع الاختصاصات، وفي مقدمتها مبدأ سيادة القانون، ومبدأ المشروعية، وقاعدة التخصص أو التحصيص التشريعي، وقاعدة القانون الخاص يقيد القانون العام، وصولاً إلى تحديد التطبيق الصحيح الذي يحقق إرادة المشرع، ويصون الحقوق المالية، ويوحد الممارسة المؤسسية، ويعزز الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية.
وقد قاد هذا البحث إلى مراجعة متأنية لقوانين معاشات ضباط قوات الشرطة 1995م، ومعاشات ضباط الصف والجنود 1995م، وقوانين الخدمة العامة (1993م)، والصندوق القومي للمعاشات 1991م، والتأمينات الاجتماعية 1990م، والمجلس الأعلى للأجور 2004م، والموازنة العامة بموجب قوانين الاجراءات المالية والمحاسبية 1997م، وغيرها من التشريعات ذات الصلة، ليس بوصفها قوانين متفرقة، وإنما باعتبارها أجزاءً من منظومة تشريعية واحدة، تتكامل فيها الأدوار والاختصاصات، ويحدد كل قانون فيها نطاق تطبيقه وحدود ولايته، بما يحقق الانسجام بين السياسة المالية العامة للدولة وبين القواعد الموضوعية التي تنشئ الحقوق المالية وتحكم كيفية استحقاقها.
ومن خلال هذه المتابعة الشخصية، اتضح أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بقيمة المرتبات أو المعاشات، ولا بحجم الزيادات التي تقررها الدولة، ولا بتوفير الاعتمادات المالية في الموازنة العامة، وإنما يتمثل في مدى الالتزام بتطبيق القانون الواجب التطبيق، واحترام مبدأ التخصص/ التخصيص التشريعي، ومراعاة حدود الاختصاص التي رسمها المشرع لكل جهة، وعدم نقل قواعد أو إجراءات أو تفسيرات مستمدة من أنظمة قانونية عامة إلى نظام قانوني خاص أفرده المشرع لقوات الشرطة.
كما تبين أن المشرع لم يكتف بإنشاء نظام قانوني مستقل لمعاشات قوات الشرطة، وإنما أنشأ في الوقت ذاته منظومة مؤسسية مستقلة للإشراف على تنفيذ هذا النظام، تتمثل في مجلس معاشات قوات الشرطة، وأناط به اختصاصات قانونية محددة تتعلق بالإشراف على تنفيذ أحكام القانون، وتوحيد تفسيره، ومعالجة المسائل التي يحيلها إليه القانون، بما يعكس إرادة تشريعية واضحة في أن تكون المرجعية القانونية لتطبيق قوانين معاشات قوات الشرطة داخل المؤسسة التي أنشأها القانون ذاته، مع تكاملها وتنسيقها مع بقية المؤسسات المالية والتنفيذية للدولة، كلٌ في حدود اختصاصه.
ومن هنا جاءت هذه القراءة للتشريعات، لا باعتبارها مطالبة بحقوق مالية فحسب، ولا بوصفها منازعة إدارية تقليدية، وإنما باعتبارها قراءة قانونية ودستورية ومؤسسية تسعى إلى إعادة قراءة قوانين معاشات قوات الشرطة في ضوء المبادئ الدستورية الحاكمة، وقواعد التفسير التشريعي، ومبدأ سيادة القانون، ومبدأ المشروعية، وقاعدة القانون الخاص يقيد القانون العام (Lex Specialis Derogat Legi Generali)، وصولاً إلى بيان التطبيق الصحيح لهذه القوانين، وترسيخ وحدة تفسيرها، وصون الحقوق المالية التي قررها المشرع، وتعزيز الأمن القانوني، واستقرار المراكز القانونية، وترسيخ الثقة المشروعة في مؤسسات الدولة وسيادة أحكام القانون.
(ثانياً) لماذا أفرد المشرع للقوات النظامية هيكلاً مستقلاً للأجور والمعاشات بقوانين خاصة:
—‐————————————-
يسبق هذا التساؤل الجوهري إدراكٌ أن المشرع، في السودان كما في غالبية النظم الدستورية المقارنة، لم يُفرد القوات النظامية بهياكل مستقلة للأجور والمعاشات على سبيل الامتياز أو التمييز، وإنما استجابةً لاعتبارات دستورية وسياسية وقانونية ومؤسسية تفرضها طبيعة هذه المرافق السيادية. فالتشريعات الخاصة بالقوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية لا تمثل خروجاً على القواعد العامة، وإنما تجسد تطبيقاً لمبدأ التخصص التشريعي، الذي يقتضي إخضاع كل مرفق عام للنظام القانوني الذي يتناسب مع طبيعة وظائفه، والتزاماته، والمخاطر المرتبطة بأدائه، والمركز القانوني للعاملين فيه.
ولا يمكن فهم الأسباب التي دعت المشرع إلى إفراد القوات النظامية بتشريعات مستقلة تنظم الخدمة والمرتبات والمعاشات دون الانطلاق من الإطار النظري الذي يحكم بناء الدولة الحديثة، والمتمثل في النظرية الدستورية للدولة، وفلسفة توزيع الاختصاصات التشريعية بين القوانين العامة والخاصة، والأسس الدستورية والقانونية المنظمة لمؤسسات الأمن القومي، وحدود العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة التنفيذية في إدارة هذه المؤسسات. فهذه المفاهيم لا تمثل مبادئ نظرية مجردة، وإنما تشكل الأساس الذي تُبنى عليه البنية الدستورية والقانونية للدولة، وتحدد كيفية توزيع السلطات والاختصاصات بين مؤسساتها، والضوابط التي تكفل تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن القومي ومتطلبات الشرعية الدستورية وسيادة القانون.
فالنظرية الدستورية للدولة تُعنى ببيان طبيعة الدولة ووظائفها الأساسية، ومصدر سلطاتها، وتنظيم مؤسساتها، والعلاقات التي تربط بينها، والضمانات الدستورية التي تحكم ممارستها لاختصاصاتها. أما فلسفة توزيع الاختصاصات التشريعية، فتقوم على أن المشرع لا يضع جميع القواعد القانونية على درجة واحدة من العموم، وإنما ينشئ تشريعات عامة تحكم المراكز القانونية المشتركة، ويقابلها بتشريعات خاصة تنظم الفئات أو المرافق التي تستوجب طبيعتها القانونية أو الوظيفية تنظيماً متميزاً، بحيث يتكامل القانون العام والقانون الخاص، ويعمل كل منهما في نطاقه، تطبيقاً لمبدأ التخصص التشريعي وقاعدة القانون الخاص يقيد القانون العام (Lex Specialis Derogat Legi Generali).
كما أن الأسس الدستورية والقانونية لتنظيم مؤسسات الأمن القومي تنطلق من أن القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية ليست مجرد وحدات إدارية ضمن الجهاز التنفيذي، وإنما هي مؤسسات سيادية تضطلع بحماية الدولة، وصون سيادتها، والدفاع عن أمنها الداخلي والخارجي، وإنفاذ القانون، والمحافظة على النظام العام، الأمر الذي يبرر إخضاعها لتنظيم دستوري وتشريعي خاص يراعي طبيعة وظائفها ويكفل استقلالها المهني في حدود المشروعية الدستورية وسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، تقوم مكانة القوات النظامية على ازدواجية دستورية ووظيفية تجمع بين المستويين السيادي والتنفيذي. فمن ناحية، ترتبط هذه المؤسسات بالمستوى السيادي للدولة من خلال خضوعها للتوجيهات الاستراتيجية العليا لرأس الدولة أو من يقوم مقامه وفق النظام الدستوري، بما يشمل سلطات القيادة العليا، وإقرار السياسات الأمنية والدفاعية، والتعيينات القيادية، والتعبئة، واتخاذ القرارات المرتبطة بالأمن القومي. ومن ناحية أخرى، تخضع في إدارتها اليومية وتشغيلها للمستوى التنفيذي، ممثلاً في الوزراء المختصين والقيادات المهنية، الذين يباشرون الاختصاصات الإدارية والمالية والتنظيمية والتشغيلية التي يحددها القانون، بما يحقق التوازن بين الرقابة السياسية المشروعة والاستقلال المهني والعملياتي اللازم لقيام هذه المؤسسات برسالتها الدستورية.
وتتجلى هذه الازدواجية بصورة واضحة في تنظيم قوات الشرطة السودانية، التي ترتبط، شأنها شأن القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة، بالمستوى السيادي فيما يتعلق بالقرارات الاستراتيجية العليا، بينما تمارس أعمالها التنفيذية والإدارية والعملياتية تحت إشراف وزارة الداخلية وقيادة الشرطة، مع احتفاظها بالاستقلال الفني والمهني اللازم لأداء واجباتها في حفظ الأمن وإنفاذ القانون. ويعكس هذا البناء المؤسسي إدراك المشرع لخصوصية الوظيفة النظامية، وحرصه على الفصل بين القيادة السياسية العليا والإدارة التنفيذية اليومية، بما يضمن فاعلية الأداء مع خضوع الجميع لمبدأ المشروعية.
ومن ثم، فإن السؤال الإستفهامي الفلسفي المطروح؛ لماذا أفرد المشرع للقوات النظامية هيكلاً مستقلاً للأجور والمعاشات بقوانين خاصة؟ سؤال لا يقتصر على بحث مسألة مالية أو إدارية، وإنما يمتد إلى صميم النظرية الدستورية للدولة، وفلسفة توزيع الاختصاصات التشريعية، والأسس التي يقوم عليها تنظيم مؤسسات الأمن القومي. فالمشرع، في السودان كما في غالبية النظم الدستورية المقارنة، لم ينظر إلى القوات النظامية بوصفها مجرد وحدات إدارية ضمن الجهاز التنفيذي، وإنما باعتبارها مؤسسات دستورية وسيادية تضطلع بحماية الدولة والدستور وسيادتها وأمنها الداخلي والخارجي، الأمر الذي يقتضي إخضاعها لنظام قانوني مستقل يراعي خصوصية وظائفها والتزاماتها ومخاطرها المهنية.
ويؤكد الاستقراء المقارن للتشريعات الدستورية والإدارية أن استقلال نظم الأجور والمعاشات للقوات النظامية يمثل قاعدة تشريعية عامة، وليس استثناءً. فالدول الديمقراطية الراسخة، كالمملكة المتحدة (بريطانيا) وفرنسا وألمانيا ودول الشمال الأوروبي، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، إلى جانب الدول التي تواجه مهددات ومخاطر أمنية مرتفعة، تعتمد جميعها أنظمة قانونية مستقلة لتنظيم مرتبات ومعاشات العسكريين وأفراد الشرطة، مع اختلاف آليات الإدارة والرقابة، لأن معيار التمييز ليس طبيعة النظام السياسي، وإنما طبيعة الوظيفة النظامية ذاتها.
ويرجع ذلك إلى أن الوظيفة النظامية تختلف، في بنيتها القانونية، اختلافاً جوهرياً عن الوظيفة المدنية. فالعسكري أو الشرطي لا يرتبط بالدولة بعلاقة وظيفية عادية، وإنما بعلاقة قانونية خاصة (عقد إداري) تقوم على الانضباط، والتدرج القيادي، والاستعداد الدائم، والطاعة المشروعة، وقبول المخاطر، والخضوع لقيود لا تفرض على سائر العاملين في الخدمة المدنية. فهو يلتزم بواجبات استثنائية قد تصل إلى التضحية بالحياة دفاعاً عن الدولة، ويخضع لأنظمة تأديبية وقضائية خاصة، ويحظر عليه في كثير من النظم القانونية ممارسة بعض الحقوق التي يتمتع بها الموظف المدني، كالإضراب، والعمل السياسي الحزبي، والتفاوض الجماعي بشأن شروط الخدمة، أو ترك الخدمة بإرادته المنفردة.
ومن ثم، فإن اختلاف المركز القانوني يقتضي اختلاف التنظيم التشريعي. ولذلك فإن استقلال هيكل الأجور والمعاشات للقوات النظامية لا يمثل امتيازاً مالياً، وإنما يُعد ترجمة تشريعية لمبدأ التخصص التشريعي، الذي يقتضي أن تخضع كل فئة للنظام القانوني الذي يتلاءم مع طبيعة وظائفها. ولا يقتصر هذا التنظيم على تحديد مقدار المرتب أو المعاش، وإنما يشمل عناصر المرتب، والعلاوات، والبدلات، والمخصصات، ووعاء المعاش، وأسس احتسابه وإعادة تسويته، والجهة المختصة بالإشراف على تطبيقه، والآليات المؤسسية التي تكفل حسن تنفيذ أحكامه.
كما يرتبط استقلال هذه النظم ارتباطاً وثيقاً بمقتضيات الأمن القومي؛ إذ يمثل الاستقرار المالي والوظيفي لمنسوبي القوات النظامية أحد مقومات جاهزية هذه المؤسسات واستقلالها المهني واستمرارية أدائها. ومن ثم، فإن المعاش النظامي لا يمثل مجرد مقابل لخدمة سابقة، وإنما يعد جزءاً من منظومة الأمن الوطني، لما يوفره من ضمانات قانونية واجتماعية تعزز الاستقرار المؤسسي، وترفع الروح المعنوية، وتدعم الانتماء الوظيفي، وتحد من المخاطر التي قد تنشأ عن ضعف الضمانات المالية أو الوظيفية.
وفي المقابل، لا يعني استقلال النظام القانوني للأجور والمعاشات عزله عن السياسة المالية العامة للدولة، وإنما يعني توزيع الاختصاصات توزيعاً تشريعياً متوازناً. فالموازنة العامة للحكومة تعتمد الموارد والمخصصات المالية، والمجلس الأعلى للأجور يرسم السياسات العامة للأجور والمرتبات، ووزارة المالية تتولى تنفيذ السياسة المالية، بينما تتولى القوانين الخاصة تحديد الحقوق المالية وآليات استحقاقها واحتسابها والجهات المختصة بالإشراف على تنفيذها. وبذلك تتكامل هذه التشريعات دون أن يحل أي منها محل الآخر أو يؤدي القانون العام إلى تعديل أو تعطيل الأحكام التي قررها القانون الخاص.
وانطلاقاً من هذه الفلسفة، أفرد المشرع السوداني للقوات النظامية قوانين مستقلة للمرتبات والمعاشات، واستبعدها من نطاق تطبيق قوانين الخدمة العامة والتأمينات الاجتماعية، وأنشأ لها مجالس وآليات مؤسسية خاصة (مجلس وصندوق معاشات)، إدراكاً منه بأن خصوصية الوظيفة النظامية تستوجب خصوصية في التنظيم القانوني، وأن حماية الأمن القومي لا تتحقق فقط بتوفير الإمكانات العسكرية والأمنية، وإنما كذلك ببناء منظومة تشريعية ومؤسسية مستقرة تكفل العدالة الوظيفية، وتحفظ الحقوق المالية، وتضمن استقرار المراكز القانونية، وتحقق الأمن القانوني، وتعزز الانضباط والولاء المؤسسي.
وعلى هذا الأساس، فإن البحث في مشروعية تطبيق قوانين معاشات قوات الشرطة والقوات النظامية الأخرى، لا يمكن فصله عن هذه الفلسفة التشريعية؛ لأن المشرع، حين اختار إنشاء نظام قانوني مستقل للمرتبات والمعاشات، قصد أن تخضع جميع الحقوق والالتزامات وآليات تنفيذها وتفسيرها والرقابة عليها للقانون الخاص الذي أنشأها، وللجهات التي عهد إليها بالإشراف على تطبيقه، تحقيقاً لمبدأ سيادة القانون، وتجسيداً لقاعدة القانون الخاص يقيد القانون العام، وصوناً للأمن القانوني، واستقراراً للمراكز القانونية، وضماناً لقيام المؤسسات السيادية بوظائفها الدستورية في إطار من الشرعية واحترام القانون، ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
30 يوليو 2026م


