مقالات الرأي

قلم ورصاصة ملازم أول / صهيب عزالدين يكتب  إلى دفعتي الشهيد محمد صديق في عليائه

 

 

 

الآن وبعد مرور ١٩ يوم على إستشهادك نحاول الكتابة ، ليت حروف الضاد صارت مئة ثمانية وعشرون حرفاً وليت البحر مداداً والسماء صحفاً لتوفيك بعض قدرك ، أخي ودفعتي الشهيد البطل الملازم أول محمد صديق ، جمعتنا بك الدفعة ٥٨ التي أنجبتك وعشرات الشهداء فداء لتراب الوطن العزيز ، جمعنا بك هذا الرقم بأم الكلالي مصنع الرجال وعرين الأبطال وداخل الدفعة شاء القدر أن تكون معنا بالسرية الأولى فعاملناك وعرفناك عن قرب ، شهدنا لك في فترة الأربعة سنوات التي قضيناها بالكلية الحربية بحسن المعشر وطيب الأصل ونشهد الله أننا لم نر منك ما يشين ، بعد قضاء العام الأول ظهرت مقدراتك القيادية فكنت حكمداراً على اخوتك وانتهى ذلك في عامنا الرابع بتعيينك رقيباً أول على الكتيبة الأولى والتي تضم ٤ سرايا من مختلف دفعات الكلية الحربية وهي الدفع الثلاث التي تلينا وتلك لا ينالها إلا من تأكدت قيادة الكلية من إعتدال سلوكه وإكتمال ضبطه وربطه ، تخرجنا في منتصف العام ٢٠١٤ فكانت الفرقة التاسعة المحمولة جواً أولى خطواتك تشربت منها الفدائية والبطولة فكنت نعم الضابط .

 

 

جاءت معركة الكرامة فكنت من فرسانها لبيت نداءها وعجلت التلبية ، قابلتك بشندي الليلة السابقة لأول أيام رمضان الماضي في طريق عودتي لبحري ، استقبلتني قرب قيادة الفرقة الثالثة شندي تسالمنا وتعانقنا لمسافة طويلة وكأننا نعلم أنه اللقاء الأخير علماً بأني لم التقيك لفترة طويلة عدا التواصل الاسفيري المستمر والذي لم ينقطع أبداً حتى قبل إستشهادك ورغم ظروف كلانا ، صلينا مغرب ذلك اليوم سوياً مسبوقين بعد انفضاض الجماعة بمسجد مستشفى شندي العسكري ، تجولنا بقية تلك الأمسية داخل مدينة شندي ومنها لأحد المعسكرات القريبة مع نفر كرام من أبناء الدفعة لا يقلون عنك سماحة ولا حسن إخاء وكان اللقاء الأخير حيث غادرنا بعدها لبحري بعد أن تحدثنا كثيراً مع وعودك ببذل الممكن وتمنياتك بتحرير منطقة الجيلي ودخول الخرطوم قريباً والآن نحن نثق في أن المسيرة ماضية وهناك من سيكملها وحواء القوات المسلحة ولادة ولا ولن تعقر ، أكتب عنك الآن على ضوء نار أشعلها فرسان سلاح الجو لم تنطفي لخمسة أيام حسوماً بأوكار التمرد في الجيلي أضاءت لها سمائنا ببحري غضباً عليك ورفاقك الميامين وثاراً لشهدائنا جميع فليذوقوا شر ما يعملون . 

 

لن نتحسر على موتك فهو سبيلنا جميعاً وإن طال العمر ف ( كل إبن أنثى وإن طالت سلامته .. يوماً على آلة حدباء محمول) وعزائنا أن ميتة الأبطال دوماً موجعة بقدر ما هي مشرفة . 

 

 

هي الأقدار يا أخي رمت بك يا علي القدر وسليل الكرام في يد هؤلاء الحثالة وسقط المتاع والرويبضات ، هو ذات القدر الذي أهدى رأس نبي الله يحي بن زكريا لبغي من بغايا بني إسرائيل ، هو ذات القدر الذي رمى بكبد حمزة بن عبدالمطلب سيد الشهداء وعم رسول الله صلى الله عليه بين أضراس المشركة هند بت عتبة ، هو ذات القدر الذي رمى الصحابي خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه عندما أسرته بنو لحيان فكان الله عز وجل يطعمه وهو موثق في أسره حتى قتل مصلوباً شهيداً ، هو القدر الذي جعل إستشهاد علي كرم الله وجهه رابع الخلفاء الراشدين وإبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج الزهراء وأب الحسنين سيدا شباب أهل الجنة وحامل باب خيبر على يد من لا يسوى شسع نعاله ، هو قدر الفاروق المفهم المنصر حين قتله خامل الذكر .

 

أسرهم وقتلهم لك لن ينتقص منك شيئاً ، رفعك ووضعهم أعزك وأذلهم، جعلك على كل لسان دعوات بالرحمة والمغفرة والقبول ، أشعاراً ترثي وقصصاً تحكى ومآثر تتلى ، ستكون رمزاً خالداً من رموز هذا الوطن وتاريخ يدرس مدى الأزمان ويستلهم منه متطلبات النصر وكيف السعي له، كيف تجرد نفسك لوطنك من جميع إنتماءاتك وتحفظاتك خالصاً لإرضاء ربك وخدمة لتراب بلدك ، بإذن الله سيكون استشهادك درس من دروس النضال وشعلة تضئ الدروب لمن سيأتي خلفكم وإن طال الظلم فقد قصر عمر الظالم وإن تمدد الباطل فقد تحدد فلنبشر ونستبشر فبإذن الله ستطهر هذه الأرض التي سقيت بدمائكم من رجس هؤلاء ونتنهم ، ونراه قريبا.

 

رحمة الله ورضوانه عليك ما نادى منادي للجهاد ، رحمة الله ورضوانه عليك ما صالت وجالت خيول الحق ، رحمة الله ورضوانه عليك عدد ذر الغبار في أنوف من خلفوك مقاتلين ومجاهدين ، رحمة الله ورضوانه عليك في كل رمية أُريد بها قتل باغ أو رد معتدي أنت وجميع شهدائنا الأبرار.

 

 

رحم الله الشهداء.. شفى الجرحى.. رد المفقودين

 

العزة والرفعة والمنعة لقواتنا المسلحة

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى