أعمدة الرأي

دكتور التجاني الطيب عبدالماجد يكتب السودان وطن ينهض من جديد

 

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الأوطان بما يُقال عنها، بل بما تثبته على الأرض. والسودان اليوم يقف عند مفترق تاريخي بالغ الدقة، حيث تتقاطع آلام الحرب مع بوادر استعادة الدولة، ويتراجع خطاب الفوضى أمام صعود إرادة وطنية آخذة في التماسك. إن ما تشهده البلاد من تطورات متسارعة يفرض سؤالًا مركزيًا على الجميع: هل بدأ السودان فعلًا رحلة النهوض من جديد؟

المعطيات الراهنة تشير إلى أن الإجابة لم تعد افتراضًا نظريًا، بل قراءة واقعية لمشهد يتشكّل يومًا بعد يوم.

واقع ميداني يعيد رسم ملامح الدولة

أثبتت التطورات العسكرية الأخيرة أن الدولة السودانية، ممثلة في قواتها المسلحة، استطاعت أن تعيد تنظيم صفوفها وتفرض حضورها في مساحات واسعة من البلاد، مستعيدة السيطرة على مناطق ظلت لفترة طويلة خارج سيطرتها هذا التقدم، الذي اتسم بالتدرج والثبات، لم يكن حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على عودة ميزان القوة لصالح الشرعية الوطنية.

وما يجري على الأرض اليوم يؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: لا دولة بلا جيش وطني موحّد، ولا استقرار مع تعدد مراكز القوة المسلحة. لقد أثبتت الوقائع أن مشروع الدولة، مهما تعرّض للاهتزاز، يظل قادرًا على النهوض حين تتوفر له الإرادة والقيادة والانحياز الشعبي.

الالتفاف الشعبي… حين يتقدّم الوطن على كل شيء

التحول الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في الالتفاف الشعبي الواسع حول القوات المسلحة، ليس بدافع سياسي أو أيديولوجي، بل بدافع وطني خالص. فقد خبر السودانيون معنى غياب الدولة، وتجرّعوا مرارة الفوضى، فكان خيارهم واضحًا: الوقوف مع المؤسسة التي تمثل رمز السيادة ووحدة البلاد.

هذا الاصطفاف لم يكن نتاج حملات أو توجيه، بل نتيجة وعي جمعي تشكّل تحت ضغط المعاناة، أدرك فيه المواطن أن بقاء الدولة هو الشرط الأول لأي أمل في السلام أو التنمية أو الحياة الكريمة. وهنا، تتجلى إحدى أهم ركائز النهوض: شعب يعرف أين يقف، ولماذا يقف.

تراجع معارضة الخارج وانكشاف عجزها

في المقابل، شهدت القوى السياسية المتمركزة خارج البلاد تراجعًا ملحوظًا في تأثيرها وحضورها. فقد أخفقت هذه المجموعات في تقديم رؤية وطنية جامعة، أو منصة تحظى بإجماع السودانيين، أو خطاب يلامس واقع الداخل وتعقيداته. وتحوّل تشتتها إلى أحزاب صغيرة وواجهات متعددة إلى عامل إضعاف أفقدها ثقة الشارع.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن الخطاب المنفصل عن الأرض، والمراهن على الخارج، لا يمكن أن يشكّل بديلًا حقيقيًا لإرادة الداخل، ولا أن يقود مشروعًا وطنيًا في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية والالتزام.

رسالة إلى الجميع: هذه لحظة الوطن

إن ما يمر به السودان اليوم يبعث برسالة واضحة لا تحتمل التأويل:

هذه ليست لحظة تصفية حسابات، ولا لحظة استقطاب، بل لحظة إنقاذ وطن.

إلى القوى السياسية: الوطن أكبر من الأحزاب، والمرحلة تتطلب مراجعات صادقة وشجاعة.

إلى المعارضين: لا شرعية بلا شعب، ولا سياسة بلا حضور على الأرض.

إلى المجتمع الدولي: استقرار السودان يبدأ باحترام سيادته ودعم وحدته، لا بتغذية الانقسامات.

إلى القوات المسلحة: المعركة من أجل الدولة، ومسؤولية ما بعد المعركة لا تقل أهمية عن النصر نفسه.

هل تتوفر مقومات النهوض؟

إن اجتماع ثلاثة عوامل رئيسية—تقدم ميداني ملموس، التفاف شعبي واسع، وتراجع المشاريع الموازية للدولة—يوفر أرضية حقيقية لبداية مرحلة جديدة. مرحلة يمكن فيها الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن الفوضى إلى البناء، شريطة أن يُدار هذا التحول بعقل وطني جامع، وإرادة سياسية رشيدة.

خاتمة

السودان لا ينهض لأن الطريق سهل، بل لأنه تعلّم من قسوته. ولا ينهض بإقصاء أحد، بل بتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح. وما يتشكل اليوم، رغم الألم والخسائر، قد يكون بداية استعادة الدولة السودانية لذاتها، ولمكانتها، ولدورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي.

السودان ينهض من جديد…

حين يكون الوطن هو العنوان، والدولة هي الغاية.

زر الذهاب إلى الأعلى