(الضؤ الشارد) الإعدام في زمن الحرب… هل أصبحت المحاكم السودانية ساحة أخرى للصراع؟ بقلم / ملوك ميوت ايواك

في ظل حرب مزقت مؤسسات الدولة وأضعفت الثقة في منظومة العدالة يصبح كل حكم بالإعدام قضية تتجاوز شخص المتهم لتلامس جوهر سيادة القانون ومستقبل العدالة في السودان..
أعاد الحكم الصادر من محكمة مدينة كوستي بالإعدام بحق القيادي في حزب الأمة القومي والضابط السابق بالشرطة صديق سنادة بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في السودان وهو ملف العدالة الجنائية في ظل الحرب.
فالقضية لا تتعلق فقط بإدانة شخصية سياسية معروفة بل تثير أسئلة أكبر حول البيئة التي تدار فيها المحاكمات أثناء النزاعات المسلحة ومدى توافر الضمانات القانونية التي تكفل حق الدفاع والمحاكمة العادلة بعيدا عن تأثيرات الاستقطاب السياسي والانقسام الذي تعيشه مؤسسات الدولة.
إن أخطر ما تفرضه الحروب ليس فقط سقوط الضحايا وإنما احتمال انتقال منطق المعركة إلى قاعات المحاكم حيث قد يصبح الاتهام السياسي والاشتباه الأمني عاملين يطغيان على معايير الإثبات والإجراءات القانونية السليمة. ولذلك فإن أي حكم بالإعدام في مثل هذه الظروف يخضع بطبيعته لتدقيق حقوقي وقانوني واسع لأن العقوبة لا يمكن التراجع عنها إذا شاب الإجراءات أي خلل.كما أن استمرار محاكمات تتعلق بتهم التعاون مع أطراف النزاع يفرض على السلطات القضائية مسؤولية مضاعفة لإثبات استقلالها الكامل وإظهار أن الأحكام تبنى على الأدلة والإجراءات القانونية لا على الانتماءات السياسية أو ضغوط الحرب. فثقة المواطنين في القضاء لا تبنى بقسوة العقوبات بل بعدالة الإجراءات وشفافيتها.
وفي المقابل فإن مكافحة الجرائم المرتبطة بالحرب ومحاسبة المتورطين تبقى ضرورة لا غنى عنها لكن هذه المحاسبة تكتسب مشروعيتها فقط عندما تتم وفق معايير العدالة وسيادة القانون مع ضمان حق الدفاع والاستئناف واحترام جميع الضمانات القضائية المعترف بها.
السودان اليوم بحاجة إلى قضاء ينظر إليه باعتباره ملاذا للعدالة لا امتدادا للاستقطاب السياسي أو العسكري. فحين تهتز الثقة في القضاء يصبح المجتمع كله هو الخاسر وتتحول العدالة من وسيلة لإنصاف الضحايا إلى ساحة جديدة لتبادل الاتهامات وتعميق الانقسام.
وفي زمن الحرب لا يقاس نجاح العدالة بعدد أحكام الإعدام بل بقدرتها على إثبات أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع وأن القانون يعلو على السياسة وأن الحقوق لا تسقط حتى في أحلك الظروف.
في زمن الحرب تكون العدالة أمام أصعب اختبار. فإذا فقد القضاء السوداني استقلاله أو شابت إجراءاته الشكوك فلن ينظر إلى الأحكام باعتبارها انتصارا للقانون بل وقودا جديدا للانقسام. لذلك فإن العدالة الحقيقية لا تثبتها قسوة العقوبات وإنما نزاهة المحاكمات وثقة الناس في أنها طبقت وفقا للقانون لا السياسة


