د. غالب محمد طه يكتب بيوتنا من «البركة» إلى الوعي

قبل أيام، كتبتُ هنا عن شعار الحملة الوطنية للتوعية بالسلامة الكهروتقنية الذي أطلقته الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، واعترفتُ حينها بحالة «التشكيك» التي تلازمنا تجاه الشعارات الحكومية. وتحدثتُ عن بيوتنا التي أصبحت تعيش على «البركة» والأسلاك المتهالكة، وعن تلك «الصدمات» الكهربائية التي اعتبرناها قدراً لا مفر منه في ظل ظروف الحرب القاسية. ومع إعلان ختام الحملة الميدانية، يبقى السؤال الأهم: هل غيّر هذا التحرك شيئاً في واقعنا المعقّد؟
الإجابة تكمن فيما أظهره العمل الميداني في قلب الخرطوم، أكثر مما تكمن في التقارير الختامية. فقد غادرت الهيئة مكاتبها الرسمية ونزلت إلى الأسواق، واختارت الحوار المباشر مع أصحاب محال الأجهزة الكهربائية. وهناك كان فريقها الفني يشرح للتجار والمستوردين كيفية التعرّف إلى المنتجات غير المطابقة للمواصفات قبل أن تصل إلى رفوف العرض، ويوضح أن جودة القاطع الكهربائي أو الشاحن قد يكون هو الفارق بين منزل آمن وحادث يمكن تجنبه.
وما لفت انتباهي في هذا الحضور الميداني هو نوعية الأسئلة التي بدأت تُطرح. فالتجار الذين يواجهون تحديات الاستيراد في ظروف استثنائية وجدوا مساحة لطرح ملاحظاتهم وشكاواهم، والاستماع إلى توضيحات عملية تتعلق بالمواصفات ومتطلبات السلامة. ولعل أكثر ما منح هذه الجولات قيمتها أنها لم تقتصر فقط على تقديم الرسائل التوعوية، وإنما أتاحت أيضاً مساحة للحوار والاستماع إلى مقترحات أصحاب المصلحة، وهو ما يعكس في تقديري فهماً بأن نشر ثقافة المواصفة هي ثقافة وشراكة يشارك فيها جميع المعنيين تتحول عندها «المواصفة» من قيد قانوني يخشاه البعض إلى ضمانة تحمي التاجر واستثماره، وتحمي المستهلك وأسرته في الوقت نفسه.
ولأن استقرار الكهرباء في السودان اليوم هو ثمرة جهود استثنائية للكوادر الفنية التي أعادت الخدمة في ظروف بالغة الصعوبة، كان من الطبيعي أن تمتد الحملة إلى الجهات المعنية بتنظيم هذا القطاع. فقد عكست زيارة فريق الهيئة إلى مركز توزيع بري ولقاء المختصين بتنظيم ورقابة الكهرباء فهماً للعلاقة الوثيقة بين جودة الشبكات وسلامة الاستخدام داخل المنازل. فعودة التيار وحدها لا تكفي إذا ظلت التوصيلات العشوائية داخل المنازل والأحياء مصدر خطر دائم.
ومن الجوانب اللافتة في الحملة توظيف الدراما السودانية في إيصال الرسائل التوعوية. فقد تجاوزت مشاركة عدد من نجومها حدود الحضور الرمزي، وأسهمت في تقديم مفاهيم فنية بلغة أقرب إلى المواطن، وساعدت في تبسيط الرسائل المرتبطة بالسلامة الكهروتقنية بطريقة يسهل استيعابها. ولعل هذا الأسلوب فتح نقاشاً مجتمعياً حول مخاطر اعتدنا التعايش معها حتى بدت وكأنها جزء طبيعي من حياتنا اليومية.
ويُحسب للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، وللجنة الوطنية الكهروتقنية، أنهما اختارتا توجيه جهودهما إلى واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بحياة الناس اليومية. ففي وقت فرضت فيه ظروف الحرب أولويات معقدة، نجحت الحملة في لفت الانتباه إلى مخاطر قد تبدو بسيطة، لكنها كثيراً ما تكون سبباً في حوادث كان يمكن تجنبها بقليل من الوعي والالتزام بالمواصفة.
غير أن نجاح أي حملة توعوية لا يُقاس بما تنجزه المؤسسة وحدها، وإنما بما يتحول إلى سلوك يومي لدى المواطنين. فالهيئة تستطيع أن تضع المواصفات، وتراقب الأسواق، وتنشر الوعي، لكن القرار النهائي يبقى في يد المستهلك والتاجر والفني. وعندما يصبح اختيار المنتج المطابق للمواصفة سلوكاً عاماً، فإننا نحمي أرواحنا وممتلكاتنا، ونقلل في الوقت نفسه من الخسائر الناتجة عن الحوادث والأعطال، ونعزز سوقاً تقوم على الجودة والثقة، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.
لا أستطيع الادعاء أن الواقع قد تغيّر بالكامل، أو أن التوصيلات العشوائية اختفت بلمسة سحرية. فالطريق لا يزال طويلاً، والتحديات التي فرضتها الحرب أكبر من أن تعالجها حملة توعوية مهما كان نجاحها. لكنني أستطيع القول إن السؤال الذي كنا نتجاهله في غمرة انشغالنا بتوفير بدائل الكهرباء بدأ يُطرح أخيراً داخل كل متجر وكل منزل: هل ما نشتريه آمن بالفعل؟
وربما يكون هذا هو الإنجاز الأهم للحملة. فقبل أيام كنا نتحدث عن بيوت تعيش على «البركة»، أما اليوم فقد بدأ الوعي يجد مكانه، ولو بخطوات متواضعة، في طريقة اختيارنا لما يدخل بيوتنا. وقد لا يغيّر ذلك الواقع بين ليلة وضحاها، لكنه يغيّر الطريقة التي ننظر بها إليه؛ فكل تغيير كبير يبدأ بسؤال صغير، وكل بيت أكثر أماناً يبدأ باختيار صحيح. ومن «البركة» إلى الوعي، تبدأ رحلة الأمان، وتجد المواصفة مكانها الطبيعي في تفاصيل حياتنا.
ولعل أهم ما خرجنا به من هذه الحملة أنها لا نريدها أن تكون حملة توعوية وتنتهي بانتهاء فعالياتها. فالسودان، وهو يمضي في طريق إعادة الإعمار واستعادة الحياة، يحتاج إلى أن تصبح المواصفة جزءاً من ثقافتنا اليومية، لا في الكهرباء وحدها، بل في البناء، والمنتجات، والخدمات، وكل ما يرتبط بسلامة الإنسان وجودة حياته. فالوطن لا يُعاد بناؤه بالطوب والإسمنت وحدهما، وإنما يُبنى أيضاً بثقافة تحترم الجودة، وتؤمن بأن الالتزام بالمواصفة استثمار في الإنسان قبل أن يكون التزاماً فنياً.
حفظ الله البلاد والعباد
د. غالب محمد طه


