مقالات الرأي

( هذي رؤاي) عبد العزيز عبد الوهاب ردًا على محمد عبد القادر ومن بين العثرات تولد البشارات

 

 

(في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر..)

المهاتما غاندي

 

ليس حديثًا عاطفيا ولا تهويما أو مسامراتٍ مع القمر ، ولا جنةَ رضوانٍ يا محمد عبد القادر ، ولا قذف للناس إلى مدينة أشباح يعلوها الركام حيث التهلكة والموت المحقق . بل عمل وعرق واستماتة بشرف يستشرف العبور .

 

كما أن دعوة الناس للعودةِ إلى الخرطومِ لا تمثل : مؤامرةٌ تنطوي على تضليلٍ بائنٍ، هدفُها استدراجُ المواطنِ ليُواجهَ العنتَ والمشقةَ، ويموتَ بالجوعِ) كما ذكرت .

 

إنما المؤامرة هي نقص الجدارة والرضا بالرصيف وعدم الإستبصار بسنن السقوط و النهوض عبر التاريخ . ثم الوصول للرئاسات وتسنم السدٌات بلا كفايةَ تأهيلٍ ولا مكابدة عثرات.

 

كتب الأستاذ محمد عبد القادر رئيس تحرير ( مصادر ) أمس مقالًا ، قال فيه إن الخرطوم ، التي زارها، غير صالحة للعودة ، لا تصلحُ الآن لعيشِ (البني آدمين)، ولا حتى للإبلِ والكلابِ الضالّةِ .

 

ونادى بفم مملوء : أغلقوا الخرطومَ (وانسوها سنواتٍ) ثلاثَةَ أعوامٍ على الأقلِّ .

 

مثل هذا الإطلاق المجاني غير المكترث لحقائق الواقع ، يمثل عوارا في المفاهيم وتسفيرا للمستقبل بلا آليات رافعة ، فقد نادى الأخ الكاتب بأن يتم التفكير خارج الصندوق لخرطوم أخرى ؛ خالية من المطار والوحدات العسكرية والوزارات والأحياء القديمة ، طالما أن : هنالك فرصةً الآن لتصفيرِ العدّادِ والبدءِ على أُسسٍ سليمةٍ.

 

نتفق مع الأخ الكاتب في بعض ما جرى به قلمه حول راهن الخرطوم ، بلا إجترار لما ذكر ، لكنه مضى يضرب عنق دعوته لعدم عودة الناس بتأكيده أن : بصماتُ الولايةِ ظهرتْ في أم درمان وكُرري، وبنسبةٍ ملحوظةٍ في أطرافِ بحري .

 

ثم يكاد يكسرها بقوله : لا يُنكِر أحدٌ أن حكومةَ ولايةِ الخرطومِ تبذلُ جهوداً كبيرةً، رغم شُحِّ الإمكانياتِ، في النظافةِ وإزالةِ الأنقاضِ ومخلّفاتِ الحربِ .

 

ومادام ذلك كذلك _ يا حبيب القسا_ فلماذا تصعد شاهقا لتقول إن الدعوة تمثل ( مؤامرة) تنطوي على تضليل ! .

 

أقدر أن الحبيب محمد ، أصيب عميقا (بصدمة الشوف) التي تبتعد فراسخا عن السمع ، شوف ربما يكون قد ضرب غضاضة تجربته ونداوة إحساسه ، فوقع تحت ضغط اللحظة في فخ عسر التعبير والتصوير وفقدان التوازن .

 

نعم ، المناظر كئيبة والواقع بائس ، لكن هناك عزم يتصاعد ساعة إثر ساعة وحركة وراها بركة ، ووالٍ صمد صمود الجبال ، تحت زخٌات الرصاص وأزيز المدافع ، فصعد صعود الكبار بولايته من تحت الركام والرماد ، فكانت أم درمان وكانت بحري وغدا ستكون الخرطوم في مستوىً من التعافي والإلفة توسلا لخرطوم أخرى يتمناها الكاتب .

 

إنني يا محمد ؛ لم أصل للٌحظة التي أصفق فيها للوالي ، رغم الأرق والعرق الذي يعلوه ،لكنني واثق من أن الذي يستثمر في الإحباط ويعرف كيف ينهض من التعثر ، خليق بالتشجيع والمؤازرة لا بالتيئيس والمخاذلة .

 

يستحق السيد أحمد حمزة أن نناديه المهاتما غاندي ، الذي مضى نصف عارٍ بقدمين حافيتين وبمعيته 79 فقط من أتباعه ، في تحرير بلاده عبر تحرير عقول أبناء بلاده (المنبوذين) من التكلس وخفوض الهمة حتى وصل بهم إلى أمة قوامها مليار ونصف من الحذاق ؛ لا تزال تحتفل حتى اليوم وتتمسك بمبادئ (الأب وروحه العظيمة) .

 

إن الوالي الذي كان يتنفس البارود ،فيما الناس يفرون على غير هدى إلى أركان الدنيا الأربعة ، نراه اليوم يتحرك في عافية وولايته تتقدم في ثبات وجرأة ، والٍ نراه كل يوم يوقد شمعة ويطفيء ظلمة ويروي ظمْأة.

 

ومن كان هذا حاله فسيبقى جديرا بتوليد البشارات من بين براثن العثرات .

زر الذهاب إلى الأعلى